المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٤٢
يحمل ميتا ليدفنه إذا وجده ضائعا، و تعين عليه ذلك شرعا، فجاء من أعانه عليه فإنّه يفرح به و لا يحسد معينه، فالغافلون موتى و الوعّاظ هم المنبّهون و المحيون لهم ففي كثرتهم استرواح و تناصر، فينبغي أن يعظم الفرح بهم، و هذا عزيز الوجود جدّا فينبغي أن يكون المريد على حذر منه فإنّه أعظم حبائل الشيطان في قطع الطريق على من انفتحت له أوائل الطريق فإنّ إيثار الحياة الدّنيا طبع غالب على الإنسان و لذلك قال اللّه تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا [١] ثمّ بيّن سبحانه أنّ الشرّ قديم في الطباع، غالب على الإنسان و أنّ ذلك مذكور في الكتب السالفة فقال سبحانه: إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى [٢].
فهذا منهاج رياضة المريدين و ترتيبه في التدريج إلى لقاء اللّه سبحانه أمّا تفصيل الرّياضة في كلّ صفة فسيأتي بيانه فإنّ أغلب الصفات على الإنسان بطنه و فرجه و لسانه أعني به الشهوات المتعلّقة بها، ثمّ الغضب الّذي هو كالجند لحماية الشهوات ثمّ مهما أحبّ الإنسان شهوة البطن و الفرج و أنس بها أحب الدّنيا و لم يتمكّن منها إلّا بالمال و الجاه و إذا طلب المال و الجاه حدث فيه العجب و الكبر و الرئاسة، و إذا ظهر ذلك و لم تسمح نفسه بترك الدين رأسا تمسّك من الدين بما فيه الرئاسة و غلب عليه الغرور.
فلهذا وجب علينا بعد تقديم هذين الكتابين أن نستكمل ربع المهلكات بثمانية كتب:
كتاب في كسر شهوة البطن و الفرج، و كتاب في آفة اللّسان، و كتاب في كسر الغضب و الحسد و الحقد، و كتاب في ذمّ الدنيا و تفصيل خدعها، و كتاب في كسر حبّ المال و ذمّ البخل، و كتاب في ذمّ الرّياء و حبّ الجاه، و كتاب في الكبر و العجب، و كتاب في بيان مواقع الغرور.
و بذكر هذه المهلكات و تعليم طرق المعالجة فيها يتمّ غرضنا من هذا الرّبع ربع المهلكات إن شاء اللّه فإنّ ما ذكرناه في الكتاب الأوّل هو شرح لصفات القلب الّذي هو معدن المهلكات و المنجيات، و ما ذكرناه في الكتاب الثاني هو إشارة كلّيّة
[١] الأعلى: ١٦.
[٢] الأعلى: ١٨ و ١٩.
المحجة