المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١١٦
تخاصمك يوم القيامة فيلعن بعضك بعضا إلّا أن يغفر اللّه تعالى و يستر برحمته» [١].
قال يحيى بن معاذ: جاهد النفس بأسياف الرّياضة و الرّياضة على أربعة أوجه: القوت من الطعام، و الغمض من المنام، و الحاجة من الكلام، و حمل الأذى من جميع الأنام، فيتولّد من قلّة الطعام موت الشهوات، و من قلّة المنام صفو الإرادات، و من قلّة الكلام السلامة من الآفات، و من احتمال الأذى البلوغ إلى الغايات، و ليس على العبد شيء أشدّ من الحلم عند الجفاء و الصبر على الأذى فإذا تحرّكت من النفس إرادة الشهوات و الآثام و هاجت منها حلاوة فضول الكلام جرّدت عليها سيف قلّة الطّعام من غمد التهجّد و قلّة المنام، و ضربتها بأيدي الخمول و قلّة الكلام، حتّى ينقطع من الظلم و الانتقام فتأمن بوائقها في سائر الأيّام و تصفّيها من ظلم شهواتها فتنجو من غوائل آفاتها فتصير عند ذلك روحانيّة لطيفة و نورانيّة خفيفة فتجول في ميدان الخيرات و تسير في مسالك الطاعات كالفرس الفارة في الميدان و كالملك المتنزّه في البستان.
و قال أيضا: أعداء الإنسان ثلاثة: دنياه و شيطانه و نفسه فاحترس من الدّنيا بالزّهد فيها، و من الشيطان بمخالفته، و من النفس بترك الشهوات.
و قال بعض الحكماء: من استولت عليه النفس صار أسيرا في حبّ شهواتها، مسجونا في سجن هواها و منعت قلبه الفوائد.
و قال جعفر بن حميد: أجمعت العلماء و الحكماء على أنّ النعيم لا يدرك إلّا بترك النعيم.
و قال أبو يحيى الورّاق: من أرضى الجوارح بالشهوات فقد غرس في قلبه شجر الندامات.
و قال وهيب بن الورد: من أراد شهوات الدّنيا فليتهيّأ للذّلّ.
و يروى أن امرأة العزيز قالت ليوسف عليه السّلام بعد ما ملك خزائن الأرض:
يا يوسف إنّ الحرص و الشهوة تصيّر الملوك عبيدا و إنّ الصبر و التقوى يصيّر العبيد
[١] قال العراقي: لم أجد له أصلا.
المحجة