المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٢
و مهما تراكمت الذّنوب طبع على القلب و عند ذلك يعمى القلب عن إدراك الحقّ و صلاح الدّين و يستهين بأمر الآخرة و يستعظم أمر الدّنيا و يصير مقصور الهمّ عليه فإذا قرع سمعه أمر الآخرة و ما فيها من الأخطار دخل من إذن و خرج من الأخرى، و لم يستقرّ في القلب و لم يحرّكه إلى التّوبة و التّدارك، أولئك الّذين «يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ» و هذا هو معنى اسوداد القلب بالذّنوب كما نطق به القرآن و السنّة.
(١) أقول: روى زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «ما من عبد إلّا و في قلبه نكتة بيضاء فإن أذنب ذنبا خرج في النكتة نكتة سوداء فإن تاب ذهب ذلك السّواد و إن تمادى في الذّنوب زاد ذلك السّواد حتّى يغطّى البياض فإذا غطّى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبدا، و هو قول اللّه عزّ و جلّ: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ[١].
و عنه عليه السّلام: «إنّ القلوب ثلاثة قلب منكوس لا يعي شيئا من الخير و هو قلب الكافر، و قلب فيه نكتة سوداء و الخير و الشرّ فيه يعتلجان فأيّهما كانت منه غلب عليه، و قلب مفتوح فيه مصابيح يزهر لا يطفئ نوره إلى يوم القيامة و هو قلب المؤمن»[٢].
[١] رواه الكليني في الكافي ج ٢ ص ٢٧٣ تحت رقم ٢٠. و قوله عليه السّلام:
«تمادى في الذنوب» اى لج فيها و دام عليها و الرين الطبع و تحقيق الكلام في المقام هو أن من عمل عملا صالحا أثر في نفسه و بازدياد العمل يزداد الضياء و الصفاء حتى تصير كمرآة مجلوة صافية. و من أذنب ذنبا أثر ذلك أيضا و وارث لها كدورة فان تحقق عنده قبحه و تاب عنه زال الأثر و صارت النفس مصقولة صافية و ان أصر عليه زاد الأثر الميشوم و فشا في النفس، و الاعتراف بالتقصير و الرجوع إلى اللّه بالتوبة و الاستغفار و الانقلاع عن المعاصي لا محل لشيء من ذلك إلى هذا القلب المظلم و المستغاث باللّه و لا حول و لا قوة الا باللّه على العظيم.
[٢] الكافي ج ٢ ص ٤٢٣ و قوله: «لا يعي شيئا» اى لا يحفظ. و الاعتلاج:
المصارعة و ما يشابهها، و قوله عليه السّلام: «منه غلب عليه» «من» سببية و الضمير للقلب.
المحجة