المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٥٩
تسبيحة فما مضغت الخبز منذ أربعين سنة[١] فانظر كيف أشفق على وقته و لم يضيّعه في المضغ، و كلّ نفس من العمر جوهر نفيس لا قيمة له فينبغي أن يستوفى منه خزانة باقية في الآخرة لا آخر لها و ذلك بأن يصرفه إلى ذكر اللّه تعالى و طاعته.
و من جملة ما يتعذّر بكثرة الآكل الدّوام على الطّهارة و ملازمة المسجد فإنّه يحتاج إلى الخروج لشرب الماء و إراقته و فيه ضرر.
و من جملة الفوائد الصوم فإنّه يتيسّر لمن تعوّد الجوع، فالصوم و دوام الاعتكاف و دوام الطهارة و صرف أوقات شغل الأكل و أسبابه إلى العبادة فيه أرباح عظيمة إنّما يستحقرها الغافلون الّذين لم يعرفوا قدر الدّين لكن رضوا بالحياة الدّنيا و اطمانّوا بها «يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ» و قد أشار أبو سليمان الدّاراني إلى ستّ آفات في الشبع، فقال: من شبع دخل عليه ستّ آفات: فقد حلاوة العبادة، و تعذّر حفظ الحكمة، و حرمان الشفقة على الخلق لأنّه إذا شبع ظنّ الخلق كلّهم شباعا، و ثقل العبادة، و زيادة الشهوات، و إنّ سائر المؤمنين الجياع يدورون حول المساجد و الشباع يدورون حول المزابل.
الفائدة الثامنة يستفيد من قلّة الأكل صحّة البدن و دفع الأمراض
فإنّ سببها كثرة الآكل و حصول فضلة الأخلاط في المعدة و العروق ثمّ المرض يمنع من العبادات و يشوّش القلب و يمنع من الفكر و الذكر و ينغصّ العيش و يحوج إلى الفصد و الحجامة و الدّواء و الطبيب و كلّ ذلك يحتاج إلى مؤمن و نفقات لا يخلو الإنسان منها بعد التعب من أنواع من المعاصي و اقتحام الشبهات و في الجوع ما يدفع عنه كلّ ذلك.
[١] باللّه من هذا الرأي التافه، و الفكرة الضئيلة، و النسج المزوّر، و النسك الفارغ الخلق البالي و الزهد المزهود عنه و ليس هذا الا معرة الاستبداد بالرأي، و البعد عن الرسول و أهل بيته صلّى اللّه عليه و عليهم و عن علومهم و حكمهم، و ذنب التقاعس عن الاقتداء بهم و الأخذ عنهم كيف لا و قد ورد عنهم آلاف ما هو خلاف هذا الفقه المزيف و العرفان الذميم المخالف للعقل السليم، و ما خلق اللّه سبحانه شيئا من الأعضاء عبثا و لا باطلا، أعاذنا اللّه من هذا المجون.
المحجة