المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٤٦
و عذاب الآخرة و قد جاء في الحديث «أهل الجنّة ثلاثة: المحسن و المحبّ له و الكاف عنه» [١] أي من يكفّ عنه الأذى و الحسد و البغض و الكراهة.
فانظر كيف أبعدك إبليس عن جميع المداخل الثلاثة حتّى لا تدور بها البتّة فقد نفذ فيك حسد إبليس و ما نفذ حسدك في عدوّك بل في نفسك، بل لو كوشفت بحالك في يقظة أو منام لرأيت نفسك أيّها الحاسد في صورة من يرمي حجرا إلى عدوّه ليصيب به مقتله فلا يصيبه بل يرجع إلى حدقته اليمنى فيقلعها فيزيد غضبه ثانيا فيعود فيرميها أشدّ من الأوّل فيرجع على عينه الأخرى فيعميها فيزداد غيظه فيعود ثالثا و يرميها على رأسه فشجّه و عدوّه سالم في كلّ حال و هو إليه راجع مرّة بعد أخرى و أعداؤه حوله يفرحون به و يضحكون عليه، و هذه حال الحسود و سخريّة الشيطان منه، لا بل حالك في الحسد أقبح من هذا لأنّ الحجر العائد إلى راميه لم تفوت إلّا العينين و لو بقيت لفاتت بالموت لا محالة، و الحسد يعود بالإثم و الإثم لا يفوت بالموت و لعلّه يسوقه إلى غضب اللّه و إلى النار، فلأن تذهب عينه في الدّنيا خير من أن يبقى له عين يدخل بها النار فيقلعها لهيب النّار.
فانظر كيف انتقم اللّه من الحاسد إذا أراد زوال النعمة عن المحسود فلم يزلها منه، ثمّ أزالها من الحاسد إذ السلامة من الإثم نعمة و السلامة من الغمّ و الكمد نعمة، و قد زالتا عنه تصديقا لقوله تعالى: وَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [٢] و ربّما يبتلى بعين ما يشتهيه لعدوّه، و قلّما يشمت شامت بمساءة إلّا و يبتلى بمثلها، حتّى قالت عائشة: ما تمنّيت لعثمان شيئا إلّا نزل بي حتّى لو تمنّيت له القتل لقتلت، فهذا إثم الحسد نفسه فكيف بما يجرّ إليه الحسد من الاختلاف و جحود الحقّ و إطلاق اللّسان و اليد بالفواحش في التشفّي من الأعداء و هو الدّاء الّذي فيه هلك الأمم السالفة.
فهذه هي الأدوية العلميّة فمهما تفكّر الإنسان فيها بذهن صاف و قلب حاضر
[١] قال العراقي: ما عثرت على أصل له.
[٢] فاطر: ٤٣
المحجة