المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٧٤
عليه و التودّد إليه و يلازم ذلك حتّى يطيب قلبه فإن لم يطب قلبه كان اعتذاره و تودّد حسنة محسوبة له يقابل بها سيّئة الغيبة في القيامة فكان بعض السلف لا يحلّل الظالم، قال سعيد بن المسيّب: لا احلّل من ظلمني. و قال ابن سيرين: إنّي لم احرّمها عليه فاحلّلها له، إنّ اللّه حرّم الغيبة عليه و ما كنت لا حلّل ما حرّم اللّه أبدا.
فإن قلت: فما معنى قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «و ينبغي أن يستحلّها» و تحليل ما حرّمه اللّه غير ممكن؟ فنقول: المراد به العفو عن المظلمة لا أن ينقلب الحرام حلالا، و ما ذكره ابن سيرين حسن في التحليل قبل الغيبة فإنّه لا يجوز له أن يحلل لغيره الغيبة.
فإن قلت: فما معنى قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «أ يعجز أحدكم أن يكون كأبي- ضمضم كان إذا خرج من بيته قال: اللّهمّ إنّي قد تصدّقت بعرضي على الناس» [١] فكيف يتصدّق بالعرض و من تصدّق به فهل يباح تناوله فإن كان لا تنفذ صدقته فما معنى الحثّ عليه؟ فنقول: معناه إنّي لا أطلب مظلمة في القيامة منه و لا أخاصمه و إلّا فلا تصير الغيبة حلالا به و لا تسقط المظلمة عنه لأنّه عفو قبل الوجوب إلّا أنّه وعد و له العزم على الوفاء بأن لا يخاصم فإن رجع و خاصم كان قياسه قياس سائر الحقوق و إنّ له ذلك، بل صرّح الفقهاء بأن من أباح القذف لم يسقط حقّه من حدّ القذف، و مظلمة الآخرة مثل مظلمة الدّنيا، و على الجملة فالعفو أفضل فقد ورد: إذا جثت الأمم بين يدي اللّه عزّ و جلّ يوم القيامة نودوا ليقم من كان له أجر على اللّه، فلا يقوم إلّا من عفا عن مظلمته في الدّنيا، و قد قال اللّه تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: يا جبرئيل ما هذا العفو؟
فقال: إنّ اللّه يأمرك أن تعفو عمّن ظلمك و تصل من قطعك و تعطي من حرمك» [٢].
و روي عن بعضهم أنّ رجلا قال له: إنّ فلانا قد اغتابك، فبعث إليه طبقا من الرّطب و قال: بلغني أنّك أهديت إليّ من حسناتك فأردت أن أكافيك عليها فاعذرني فإنّي لا أقدر أن أكافيك على التمام.
[١] أخرجه ابن السني في العمل اليوم و الليلة ص ١٨، من حديث أنس.
[٢] تقدم مرارا في كتاب رياضة النفس و غيره.
المحجة