المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٠٨
فإذن قد عرفت أنّ الأخلاق الحسنة تارة تكون بالطبع و الفطرة و تارة باعتياد الأفعال الجميلة و تارة بمشاهدة أرباب الأفعال الجميلة و مصاحبتهم و هم قرناء الخير و إخوان الصلاح إذ الطبع يسرق من الطبع الشرّ و الخير جميعا، فمن تظاهرت في حقّه الجهات الثلاث حتّى صار ذا فضيلة طبعا و اعتيادا و تعلّما فهو في غاية الفضيلة، و من كان رذلا بالطبع و اتّفق له أقران السوء فتعلّم منهم و تيسّرت له أسباب الشرّ حتّى تعوّدها فهو في غاية البعد من اللّه تعالى، و بين الرّتبتين من اختلف به هذه الجهات، و لكلّ درجة في القرب و البعد بحسب ما تقتضيه صفته و حالته فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [١]، وَ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [٢].
(بيان تفصيل الطريق إلى تهذيب الأخلاق)
قد عرفت من قبل أنّ الاعتدال في الأخلاق هو صحّة النفس، و الميل عن الاعتدال سقم و مرض فيها كما أنّ الاعتدال في مزاج البدن هو صحّة له و الميل عن الاعتدال مرض فيه فلنتّخذ البدن مثالا فنقول: مثال النفس في علاجها بمحو الرذائل و الأخلاق الرديّة عنها و كسب الفضائل و الأخلاق الجميلة لها و جلبها إليها مثال البدن في علاجه بمحو العلل عنه و كسب الصحّة له و جلبها إليه، و كما أنّ الغالب على أصل المزاج الاعتدال، و إنّما تعتري العلّة المغيّرة بعوارض الأغذية و الأهوية و الأحوال، فكذلك كلّ مولود يولد معتدلا صحيحا على الفطرة، و إنّما أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه، أي بالتعوّد و التعلّم يكتسب الرّذائل، و كما أنّ البدن في الابتداء لا يخلق كاملا، و إنّما يكمل و يقوى بالنشوء و التربية بالغذاء، فكذلك النفس يخلق ناقصة قابلة للكمال، و إنّما تكمل بالتزكية و تهذيب الأخلاق و التغذية بالعلم، و كما أنّ البدن إن كان صحيحا فشأن الطبيب تمهيد القانون الحافظ للصحّة و إن كان مريضا فشأنه جلب الصحّة إليه فكذا النفس منك إن كانت زكيّة
[١] الزلزال: ٧ و ٨.
[٢] النحل: ٣٣.
المحجة