المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٥٦
مسعود: شيطان المؤمن مهزول. و قال قيس بن الحجّاج: قال لي شيطاني: دخلت فيك و أنا مثل الجزور، و أنا الآن مثل العصفور، فقلت: و لم ذاك؟ قال:
تذيبني بكتاب اللّه، و أهل التقوى لا يتعذّر عليهم ترصّد أبواب الشيطان و حفظها بالحراسة أعني الأبواب الظاهرة و الطرق الجليّة الّتي تفضي إلى المعاصي الظاهرة، و إنّما يتعثّرون في طرقه الغامضة فإنّهم لا يهتدون إليها ليحرسونها كما أشرنا إليه في غرور العلماء و الوعّاظ، و المشكل أنّ الأبواب المفتوحة إلى القلب للشيطان كثيرة، و باب الملائكة باب واحد و قد التبس ذلك الباب الواحد بهذا الكثير فالعبد فيه مثاله مثال المسافر الّذي يبقى [١] في بادية كثيرة الطرق، غامضة المسالك، في ليلة مظلمة، فلا يكاد يفلح إلّا بعين بصيرة و طلوع شمس مشرقة، فالعين البصيرة هاهنا هو القلب المصفّى بالتقوى و الشمس المشرقة هو العلم الغزير المستفاد من كتاب اللّه تعالى و من سنّة رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فبهما يهتدي إلى غوامض طرقه، و إلّا فطرقه كثيرة غامضة، قال عبد اللّه بن مسعود: «خطّ لنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يوما خطّا فقال: هذا سبيل اللّه ثمّ خطّ خطوطا عن يمين الخطّ و عن شماله، فقال: هذه سبل الشيطان على كلّ سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثمّ تلا هذه الآية وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [٢] يعني تلك الخطوط، فبيّن صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كثرة طرقه.
و قد ذكرنا مثالا للطريق الغامض من طرقه و هو الّذي يخدع به العلماء و العبّاد المالكين لشهواتهم الكافّين عن المعاصي الظاهرة فلنذكر مثالا لطريقه الواضح الّذي لا يخفى إلّا أن يضطرّ الآدمي إلى سلوكه، و ذلك كما روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال: «كان راهب في بني إسرائيل فعمد الشيطان إلى جارية فخنقها و ألقى في قلوب أهلها أنّ دواءها عند الرّاهب فاتي بها الرّاهب، فأبى أن يقبلها فلم يزالوا به حتّى
[١] في بعض النسخ [يسعى].
[٢] الآية في سورة الانعام: ١٥٣، و الخبر رواه أحمد، و عبد بن حميد، و النسائي، و البزار، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و أبو الشيخ، و ابن مردويه، و الحاكم و صححه عن ابن مسعود كما في الدر المنثور ج ٣ ص ٥٥ و ٥٦.
المحجة