المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٧
المدرك من الإنسان- في القلب الّذي هو وسط مملكته كالملك و يجري القوّة الخياليّة المودعة في مقدّم الدّماغ مجرى صاحب بريده إذ يجتمع أخبار المحسوسات عنده و تجري القوّة الحافظ الّتي مسكنها مؤخّر الدّماغ مجرى خازنه، و يجري اللّسان مجرى ترجمانه، و تجري الأعضاء المتحرّكة مجرى كتّابه، و تجري الحواسّ الخمس مجرى جواسيسه، فيوكّل كلّ واحد بأخبار صقع من الأصقاع، فيوكّل العين بعالم الألوان، و السّمع بعالم الأصوات، و الشمّ بعالم الأراييح و كذلك سائرها فإنّها أصحاب أخبار يلتقطونها من هذه العوالم و يؤدّونها إلى القوّة الخيالية الّتي هي كصاحب البريد، و يسلّمها صاحب البريد إلى الخازن و هي القوّة الحافظة، و يعرضها الخازن على الملك فيقتبس الملك منها ما يحتاج إليه في تدبير مملكته، و إتمام سفره الّذي هو بصدده، و قمع عدوّه الّذي هو مبتلى به، و دفع قواطع الطريق عليه، فإذا فعل ذلك كان موفّقا سعيدا شاكرا نعمة اللّه و إذا عطّل هذه الجملة أو استعملها لكن في مراعاة أعدائه و هي الشّهوة و الغضب و سائر الحظوظ العاجلة، أو في عمارة طريقه دون منزله إذ الدّنيا طريقه الّتي عليها عبوره، و وطنه و مستقرّه الآخرة كان مخذولا شقيّا كافرا لأنعم اللّه مضيّعا لجنود اللّه، ناصرا لأعداء اللّه، مخذلا لحزب اللّه تعالى فيستحقّ المقت و الإبعاد في المنقلب و المعاد، نعوذ باللّه من ذلك.
و إلى المثال الّذي ضربناه أشار كعب الأحبار قال: «دخلت على عائشة فقلت:
الإنسان عيناه طائر و أذناه قمع، و لسانه ترجمان و يداه جناحان، و رجلاه بريدان، و القلب ملك، فإذا طاب الملك طابت جنوده، فقالت: هكذا سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول»[١].
و قال عليّ عليه السّلام في تمثّل القلوب: «إنّ للَّه تعالى في أرضه آنية و هي القلوب
[١] قال العراقي: أخرجه أبو نعيم في طب النبي صلّى اللّه عليه و آله، و الطبراني في مسند الشاميين، و البيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة نحوه و له و لا حمد من حديث أبي ذر «و أما الاذن فقمع، و أما العين فمقره لما يوعى القلب» و لا يصح منها شيء.
المحجة