المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٩٩
فهذا بيان معنى الخلق و حسنه و قبحه و بيان أركانه و ثمراته و فروعه.
(بيان قبول الأخلاق للتغيير بطريق الرياضة)
اعلم أنّ بعض من غلبت البطالة عليه استثقل المجاهدة و الرّياضة و الاشتغال بتزكية النفس و تهذيب الأخلاق، و لم تسمح نفسه بأن يكون ذلك لقصوره و نقصه و خبث دخلته، و زعم أنّ الأخلاق لا يتصوّر تغييرها و أنّ الطباع لا تتغيّر فاستدلّ فيه بأمرين: أحدهما أنّ الخلق هو صورة الباطن كما أنّ الخلق هو صورة الظاهر و الخلقة الظاهرة لا يقدر على تغييرها فالطويل لا يقدر أن يجعل نفسه قصيرا، و لا القصير يقدر على أن يجعل نفسه طويلا، و لا القبيح يقدر على تحسين صورته، فكذلك الخلق الباطن يجري هذا المجرى، و الثاني أنّهم قالوا: حسن الخلق بقمع الغضب و الشّهوة و قد جرّبنا ذلك بطول المجاهدة و عرفنا أنّ ذلك من مقتضى المزاج و الطبع و أنّه قطّ لا ينقلع عن الآدميّ فاشتغاله به تضييع زمان بغير فائدة فإنّ المطلوب هو قطع التفات القلب إلى الحظوظ العاجلة و ذلك محال وجوده.
فنقول: لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير لبطلت الوصايا و المواعظ و التأديبات و لما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «حسّنوا أخلاقكم»[١]و كيف ينكر هذا في حقّ الآدمي و تغيير خلق البهيمة ممكن إذ ينقل الصيد من التوحّش إلى الانس و الكلب من شره الأكل من الصيد إلى التأدّب و الإمساك، و الفرس من الجماح إلى السلاسة و الانقياد و كلّ ذلك تغيير الأخلاق، و القول الكاشف للغطاء عن ذلك أن نقول:
أنّ الموجودات منقسمة إلى ما لا مدخل للآدميّ و اختياره في أصله و تفصيله كالسّماء و الكواكب بل أعضاء البدن داخلا و خارجا و سائر أجزاء الحيوانات و بالجملة كلّ ما هو حاصل كامل وقع الفراغ من وجوده و كماله، و إلى ما وجد وجودا ناقصا و جعل فيه قوّة قبول الكمال بعد أن وجد شرطه، و شرطه قد يرتبط باختيار العبد فإنّ النواة ليست بتفّاح و لا نخل إلّا أنّها خلقت خلقة يمكن أن تصير نخلا
[١] أخرج الديلمي في الفردوس من حديث معاذ كما في كنوز الحقائق للمناوى باب الياء هكذا «يا معاذ حسّن خلقك للناس».
المحجة