المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٩٨
و أمّا خلق العفة فيصدر منه السخاء و الحياء و الصّبر و المسامحة و القناعة و الورع و الأمانة و الطلاقة و المساعدة و الظرف و قلّة الطمع، و أمّا ميلها إلى الإفراط و التفريط فيصدر منه الحرص و الشره و الوقاحة و الخبث و التبذير و التّقتير و الرّياء و الهتكة و المجانة و العبث و الملق و الحسد و الشماتة و التذلّل للأغنياء و استحقار الفقراء و غير ذلك.
فأمّهات محاسن الأخلاق هذه الصفات و الفضائل الأربعة و هي الحكمة و الشجاعة و العفة و العدل و الباقي فروعها، و لم يبلغ كمال الاعتدال في هذه الأربعة إلّا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الناس بعده متفاوتون في القرب و البعد منه فكلّ من قرب منه في هذه الأخلاق فهو قريب من اللّه بقدر قربه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كلّ من جمع كمال هذه الأخلاق استحقّ أن يكون بين الخلق ملكا مطاعا يرجع الخلق كلّهم إليه و يقتدون به في جميع الأفعال، و من انفكّ عن جميع هذه الأخلاق كلّها و اتّصف بأضدادها استحقّ أن يخرج من بين العباد و البلاد فإنّه قد قرب من الشيطان المبعد اللّعين فينبغي أن يبعد كما أنّ الأوّل قريب من الملك المقرّب فينبغي أن يقتدى به و يتقرّب إليه، و لم يبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلّا ليتمّ محاسن الأخلاق كما قال [١].
و قد أشار القرآن إلى هذه الأخلاق في اوصاف المؤمنين فقال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [٢]. فالإيمان باللّه و رسوله من غير ارتياب هو قوّة اليقين و هو ثمرة العقل و منتهى الحكمة، و المجاهدة بالمال هو السخاء الّذي يرجع إلى ضبط قوّة الشهوة، و المجاهدة بالنفس هي الشجاعة الّتي ترجع إلى استعمال قوّة الغضب على شرط العقل و حدّ الاعتدال، و قد وصف اللّه به الصحابة فقال: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [٣] إشارة إلى أنّ للشدّة موضعا و للرّحمة موضعا و ليس الكمال في الشدّة بكلّ حال و لا في الرّحمة بكلّ حال.
[١] راجع مجمع الزوائد ج ٩ ص ١٥، و المصابيح للبغوي ج ٢ ص ١٣٤.
[٢] الحجرات: ١٦.
[٣] الفتح: ٢٩.
المحجة