المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٩
جند يرى بالأبصار و جند لا يرى إلّا بالبصائر و هو في حكم الملك و الجنود في حكم الخدم و الأعوان، و هذا هو معنى الجند فأمّا جنده المشاهد بالعين فهي اليد و الرّجل و العين و الاذن و اللّسان و سائر الأعضاء الظّاهرة و الباطنة، فإنّ جميعها خادمة للقلب و مسخّرة له و هو المتصرّف فيها و المردّد لها، و قد خلقت مجبولة على طاعة القلب، لا تستطيع له خلافا و لا عليه تمرّدا، فإذا أمر العين بالانفتاح انفتحت، و إذا أمر الرّجل بالحركة تحرّكت، و إذا أمر اللّسان بالكلام و جزم الحكم به تكلّم، و كذا سائر الأعضاء، و تسخير الأعضاء و الحواسّ للقلب يشبه من وجه تسخير الملائكة للَّه تعالى، فإنّهم جبلوا على الطّاعة، لا يستطيعون له خلافا بل «لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ» و إنّما يفترقان في شيء و هو أنّ الملائكة عالمة بطاعتها و امتثالها لربّها و الأجفان تطيع القلب في الانفتاح و الانطباق على سبيل التسخير و لا خير لها من نفسها و لا من طاعتها للقلب، و إنّما افتقر القلب إلى هذه الجنود من حيث افتقاره إلى المركب و الزّاد لسفره الّذي لأجله خلق، و هو السّفر إلى اللّه تعالى و قطع المنازل إلى لقائه، فلأجله خلقت القلوب قال اللّه تعالى: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [١] و إنّما مركبه البدن و إنّما زاده العلم و إنّما الأسباب الّتي توصله إلى الزّاد و تمكنه من التزوّد منه العمل الصالح، و ليس يمكن أن يصل القلب إلى اللّه تعالى ما لم يسكن البدن بالموت و لم يجاوز الدّنيا فإنّ المنزل الأدنى لا بدّ من قطعه للوصول إلى المنزل الأقصى، و الدّنيا مزرعة الآخرة و هي منزل من منازل الهدى، و إنّما سمّيت الدّنيا لأنّها أدنى المنزلتين فاضطرّ الإنسان إلى أن يتزوّد من هذا العالم، و البدن مركبه الّذي يصل به إلى هذا العالم، فافتقر إلى تعهّد البدن و حفظه، و إنّما يتحفّظ البدن بأن يجلب إليه ما يوافقه من الغذاء و غيره، و بأن يدفع عنه ما ينافيه و يهلكه أو يمكنه من أسباب الهلاك، فافتقر لأجل جلب الغذاء إلى جندين: باطن و هو الشهوة و ظاهر و هو اليد و الأعضاء الجاذبة للغذاء فخلق في القلب من الشّهوات ما احتاج إليه، و خلقت له الأعضاء الّتي هي آلات
[١] الذاريات: ٥٦.
المحجة