المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٨٣
لا يهتدي إليه لا يعرفه إلّا المراقبون لقلوبهم و المراعون لأحوالهم مع اللّه تعالى.
و القلوب في الثبات على الخير و الشرّ و التردّد بينهما ثلاثة: قلب عمر بالتقوى و زكى بالرّياضة، و طهر من خبائث الأخلاق فتنقدح فيه خواطر الخير من خزائن الغيب و مداخل الملكوت فينصرف العقل إلى التفكّر فيما خطر ليعرف دقائق الخير فيه و يطلع على أسرار فوائده فينكشف له بنور البصيرة وجهه فيحكم بأنّه لا بدّ من فعله و يستحثّ عليه و يدعو إلى العمل به، فينظر الملك إلى القلب فيجده طيّبا في جوهره، طاهرا بتقواه، مستنيرا بضياء العقل، معمورا بأنوار المعرفة و يراه صالحا لأن يكون مستقرّا له و مهبطا فعند ذلك يمدّه بجنود لا ترى و يهديه إلى خيرات أخرى حتّى ينجرّ الخير إلى الخير و كذلك على الدّوام لا يتناهى إمداده بالترغيب في الخير و تيسير الأمر عليه و إليه الإشارة بقوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَ اتَّقى. وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى [١] و في مثل هذا القلب يشرق نور المصباح من مشكاة الرّبوبية حتّى لا يخفى فيه الشرك الخفيّ الّذي هو أخفى من دبيب النملة السّوداء في اللّيلة الظلماء، و لا يخفى على هذا النور خافية و لا يروّج عليه شيء من مكايد الشيطان، بل يقف عليه الشيطان و يوحى زخرف القول غرورا و لا يلتفت إليه، و هذا القلب بعد طهارته من المهلكات يصير على القرب معمورا بالمنجيات الّتي سنذكرها من الشكر و الصبر و الخوف و الرجاء و الفقر و الزّهد و المحبّة و الرّضا و الشوق و التوكّل و التفكّر و المحاسبة و المراقبة و غير ذلك، و هو القلب الّذي أقبل اللّه تعالى عليه بوجهه و هو القلب المطمئنّ المراد بقوله تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [٢] و بقوله عزّ و جلّ: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [٣].
القلب الثاني القلب المخذول المشحون بالهوى المدنّس بالخبائث، الملوّث بالأخلاق الذّميمة، المفتّحة فيه أبواب الشياطين، المسدودة عنه أبواب الملائكة، و مبدأ الشرّ فيه أن ينقدح فيه خاطر من الهوى و يهجس فيه فينظر القلب إلى حاكم العقل
[١] الليل: ٥ و ٦ و ٧.
[٢] الرعد: ٢٨.
[٣] الفجر: ٢٧.
المحجة