المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٨١
فيغوص في فكره بحيث لا يخطر بباله غير حديث محبوبه، و لو كلّمه غيره لم يسمع و لو اجتاز واحد بين يديه لكان كأنّه لا يراه، و إذا تصوّر هذا في خوف من عدوّه و عند الحرص على جاه و مال فكيف لا يتصوّر من خوف النّار و الحرص على الجنّة، و لكن ذلك عزيز لضعف الإيمان باللّه و اليوم الآخر.
فإذا تأمّلت جملة هذه الأقسام و أصناف الوسواس علمت أنّ لكلّ مذهب من المذاهب وجها و لكن في محلّ مخصوص، و بالجملة فالخلاص من الشيطان في لحظة أو ساعة غير بعيد، و لكنّ الخلاص منه عمرا طويلا بعيد أو محال، و لا ينقطع وسوسة عروض الدّنيا و نقدها إلّا بالرّمي و المفارقة فما دام يملك شيئا وراء حاجته و لو دينارا واحدا فلا يخلّيه الشيطان في صلاته عن التفكّر في ديناره و إنّه كيف يحفظه و فيما ذا ينفقه و كيف يخفيه حتّى لا يعلم به أحد أو كيف يظهره حتّى يتباهى به إلى غير ذلك من الوسواس، فمن أنشب مخالبه في الدّنيا و طمع في أن يتخلّص من الشيطان كان كمن انغمس في العسل و ظنّ أنّه لا يقع الذّباب عليه و هو محال، فالدّنيا باب عظيم لوسواس الشيطان و ليس له باب واحد بل أبواب.
قال حكيم من الحكماء: الشيطان يأتي ابن آدم من قبل المعاصي، فإن امتنع أتاه من وجه النصيحة حتّى يلقيه في بدعة، فإن أبى أمره بالتحرّج و الشدّة حتّى يحرم عليه ما ليس بحرام، فإن أبى شكّكه في وضوئه و صلاته حتّى يخرجه عن العلم، فإن أبى خفّف عليه أعمال البرّ حتّى يراه الناس صابرا عفيفا فتميل قلوبهم إليه و يعجب بنفسه و به يهلكه و عند ذلك تشتدّ الحاجة فإنّها آخر درجة و يعلم أنّه لو جاوزها أفلت منها إلى الجنّة.
(بيان سرعة تقلّب القلب) (و انقسام القلوب في التغير و الثبات)
اعلم أنّ القلب كما ذكرناه تكتنفه الصفات الّتي ذكرناها و تنصب إليه الآثار و الأحوال من الأبواب الّتي وصفناها فكأنّه هدف يصاب على الدّوام من كلّ جانب
المحجة