المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٧٠
(فصل) فإن قلت: فالدّاعي إلى المعاصي المختلفة شيطان واحد أو شياطين مختلفة؟
فاعلم أنّه لا حاجة بك إلى معرفة ذلك في المعاملة فاشتغل بدفع العدوّ و لا تسأل عن صفته كما يقال: كل البقل من حيث تؤتى به و لا تسألن عن المبقلة، و لكن الّذي يتّضح بنور الاستبصار و شواهد الأخبار أنّهم جنود مجنّدة و أنّ لكلّ نوع من المعاصي شيطانا يخصّه و يدعو إليه، فأمّا طريق الاستبصار فذكره يطول و يكفيك القدر الّذي ذكرناه، و هو أنّ اختلاف المسبّبات يدلّ على اختلاف الأسباب كما ذكرناه في نور النار و سواد الدّخان.
و أمّا الأخبار فقد قال مجاهد: لإبليس خمسة من الأولاد قد جعل كلّ واحد منهم على شيء من أمره، فذكر أنّ أسماءهم ثبر و الأعور و مبسوط و داسم و زلنبور فأمّا ثبر فهو صاحب المصائب الّذي يأمر بالثبور و شقّ الجيوب و لطم الخدود و دعوى الجاهليّة، و أمّا الأعور فإنّه صاحب الرّياء يأمر به و يزيّنه، و أمّا مبسوط فهو صاحب الكذب، و أمّا داسم فيدخل مع الرّجل إلى أهله يريه العيب فيهم و يغضبه عليهم، و أمّا زلنبور فهو صاحب السوق و بسببه لا يزالون متظلّمين، و شيطان الصلاة يسمّى خنزب، و شيطان الوضوء يسمّى الولهان، و قد وردت في ذلك أخبار كثيرة، و كما أنّ الشياطين فيهم كثرة فكذلك في الملائكة كثرة و قد ذكرنا في كتاب الصّبر و الشّكر السرّ في كثرة الملائكة و اختصاص كلّ واحد منهم بعمل ينفرد به، و قد قال أبو أمامة قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «و كلّ بالمؤمن مائة و ستّون ملكا يذبّون عنه ما لم يقدر عليه، من ذلك للنصر سبعة أملاك يذبّون عنه كما يذبّون عن قصعة العسل الذّباب في اليوم الصائف، و ما لو بدا لكم لرأيتموه على كلّ سهل و جبل كلّهم باسط يده فاغر فاه، و ما لو و كل العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين [١]».
و قال أيّوب بن يونس: بلغنا أنّه يولد مع أبناء الإنس من أبناء الجنّ ثمّ
[١] أخرجه ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان، و الطبراني في المعجم الكبير بإسناد ضعيف كما في المغني.
المحجة