المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٥٤
قلوبهم و لم يهتدوا إلى الحقّ فلا يزال يقرّر ذلك عنده و هو في أثنائه يؤكّد فيه شوائب الرّياء و قبول الخلق و لذّة الجاه و التعزّز بكثرة الأتباع و العلم و النظر إلى الخلق بعين الاحتقار فيستدرج المسكين بالنصح إلى الهلاك فيتكلّم و هو يظنّ أنّ قصده الخير و إنّما قصده الجاه و القبول فيهلك بسببه و هو يظنّ أنّه عند اللّه بمكان و هو عند اللّه ممّن قال فيهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ اللّه ليؤيّد هذا الدّين بأقوام لا خلاق لهم» [١] «و إنّ اللّه ليؤيّد هذا الدّين بالرّجل الفاجر» [٢].
و لذلك روي أنّ إبليس تمثّل لعيسى عليه السّلام فقال له قل: لا إله إلّا اللّه فقال:
كلمة حقّ و لكن لا أقولها بقولك، لأنّ له تحت الخير أيضا تلبيسات و تلبيسات الشيطان من هذا الجنس لا تتناهى و بها يهلك العلماء و العبّاد و الزّهاد و الفقراء و الأغنياء و أصناف الخلق ممّن يكرهون ظاهر الشرّ و لا يرضون لأنفسهم الخوض في المعاصي المكشوفة.
و سنذكر جملة من مكايد الشيطان في كتاب الغرور من آخر هذا الرّبع، و لعلّنا إن أمهل الزّمان صنّفنا فيه كتابا على الخصوص نسميه «تلبيس إبليس» فإنّه قد انتشر الآن تلبيسه في البلاد و العباد لا سيّما في المذاهب و الأعمال حتّى لم يبق من الخيرات إلّا رسمها كلّ ذلك إذعان لتلبيسات الشيطان و مكايده، فحقّ على العبد أن يقف عند كلّ همّ يخطر له ليعلم أنّه لمّة الملك أو لمّة الشيطان و إن يمعن النظر فيه بنور البصيرة لا بهوى من الطبع و لا يطلع عليه إلّا بنور التقوى و غزارة العلم، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا (أي رجعوا إلى نور العلم) فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ أيّ انكشف لهم الإشكال، فأمّا من لم يرض نفسه بالتقوى فيميل طبعه إلى الإذعان لتلبيسه بمتابعة الهوى و يكثر فيه غلطه و يتعجّل فيه هلاكه و هو لا يشعر، و في مثلهم قال اللّه تعالى:
[١] أخرجه ابن حبان في صحيحه و النسائي في سننه عن أنس، و أحمد و الطبراني في الكبير عن أبي بكرة كما في الجامع الصغير.
[٢] أخرجه أحمد في مسنده ج ٢ ص ٣٠٩. و قد تقدم و رواه البخاري عن أبي هريرة.
المحجة