المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٧
ما ينبّه على حقّية ما ذكرناه من عجائب تردّد القلب بين عالم الشهادة و عالم الملكوت.
و أمّا السبب في انكشاف الأمور في المنام بالمثال المحوج إلى التعبير و كذلك تمثّل الملائكة بصور مختلفة للأنبياء و الأولياء فذلك أيضا من أسرار عجائب القلب و لا يليق ذلك إلّا بعلم المكاشفة فلنقتصر على ما ذكرناه فانّه كاف للاستحثاث على المجاهدة و طلب الكشف منها.
(بيان تسلّط الشيطان على القلب بالوسواس) (و معنى الوسوسة و سبب غلبتها)
اعلم أنّ القلب مثاله مثال قبّة لها أبواب تنصبّ إليها الأحوال من كلّ باب و مثاله أيضا مثال هدف تنصبّ إليه السهام من الجوانب، أو هو مثال مرآة منصوبة تجتاز عليها أصناف الصور المختلفة فيتراءى فيها صورة بعد صورة و لا يخلو عنها، أو مثال حوض ينصبّ إليه مياه مختلفة من أنهار مفتوحة إليه و إنّما مداخل هذه الآثار المتجدّدة في القلب في كلّ حال إمّا من الظاهر فالحواسّ الخمس، و إمّا من الباطن فالخيال و الشهوة و الغضب و الأخلاق المركّبة في مزاج الإنسان، فانّه إذا أدرك بالحواسّ شيئا حصل منه آثر في القلب و كذلك إذا هاجت الشهوة مثلا بسبب كثرة الأكل أو بقوّة في المزاج حصل منها في القلب أثر و إن كفّ عن الإحساس و الخيالات الحاصلة في النّفس تبقى، و ينتقل الخيال من شيء إلى شيء، و بحسب انتقال الخيال ينتقل القلب من حال إلى حال، و المقصود أنّ القلب في التغيّر و التأثّر دائما من هذه الأسباب، و أخصّ الآثار الحاصلة في القلب هي الخواطر، و أعني بالخواطر ما يعرض فيه من الأفكار و الأذكار، و أعني به إدراكاته علوما إمّا على سبيل التجدّد و إمّا على سبيل التذكّر فإنّها تسمّى خواطر من حيث أنّها تخطر بعد أن كان القلب غافلا عنها، و الخواطر هي المحرّكات للإرادات فإنّ النيّة و العزم و الإرادة إنّما يكون بعد خطور المنويّ بالبال لا محالة، فمبدأ الأفعال الخواطر، ثمّ الخاطر
المحجة البيضاء، جلد٥، ص: ٤٨
يحرّك الرّغبة و الرّغبة تحرّك العزم، و العزم يحرّك النيّة، و النيّة تحرّك الأعضاء.
و الخواطر المحرّكة للرّغبة تنقسم إلى ما يدعو إلى الشرّ أعني ما يضرّ في العاقبة، و إلى ما يدعو إلى الخير أعني ما ينفع في الآخرة فهما خاطران مختلفان فافتقرا إلى اسمين مختلفين، فالخاطر المحمود يسمّى إلهاما، و الخاطر المذموم أعني الدّاعي إلى الشرّ يسمّى وسواسا، ثمّ إنّك تعلم أنّ هذه الخواطر حادثة، و كلّ حادث لا بدّ له من سبب، و مهما اختلفت الحوادث دلّ على اختلاف الأسباب هذا ما عرف من سنّة اللّه عزّ و جلّ في ترتيب المسبّبات على الأسباب، فمهما استنار حيطان البيت بنور النّار و أظلم سقفه و اسودّ بالدّخان علمت أن سبب السواد غير سبب الاستنارة، فكذلك لأنوار القلب و ظلماته سببان مختلفان: فسبب الخاطر الدّاعي إلى الخير يسمّى ملكا و سبب الخاطر الدّاعي إلى الشرّ يسمّى شيطانا، و اللّطف الّذي به يتهيّأ القلب لقبول إلهام الملك يسمّى توفيقا، و الّذي به يتهيّأ لقبول وسواس الشيطان يسمّى إغواء و خذلانا، فإنّ المعاني المختلفة يفتقر إلى أسامي مختلفة و الملك عبارة عن خلق خلقه اللّه تعالى، شأنه إفاضة الخير و إفادة العلم و كشف الحقّ و الوعد بالخير و الأمر بالمعروف، و قد خلقه اللّه و سخّره لذلك، و الشيطان عبارة عن خلق شأنه ضدّ ذلك و هو الوعد بالشرّ و الأمر بالفحشاء و التخويف عند الهمّ بالخير بالفقر. فالوسوسة في مقابلة الإلهام و الشيطان في مقابلة الملك و التوفيق في مقابلة الخذلان و إليه الإشارة بقوله تعالى: وَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [١] فإنّ الموجودات كلّها متقابلة مزدوجة إلّا اللّه تعالى فإنّه لا مقابل له، بل هو الواحد الحقّ الخالق للأزواج كلّها.
فالقلب متجاذب بين الشيطان و الملك فقد قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «في القلب لمّتان لمّة من الملك إيعاد بالخير و تصديق بالحقّ، فمن وجد ذلك فليعلم أنّه من اللّه فليحمد اللّه، و لمّة من العدوّ إيعاد بالشرّ و تكذيب بالحقّ و نهي عن الخير، فمن وجد ذلك
[١] الذاريات: ٤٩.
المحجة