المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٤
عزّ و جلّ عبدا فهما في كتابه» [١] و ليس هذا بالتعلّم، و قيل في تفسير قوله تعالى:
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ [٢]: إنّه الفهم في كتاب اللّه عزّ و جلّ، و قال تعالى:
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ [٣] خصّ ما انكشف له باسم الفهم، و كان أبو الدّرداء يقول:
المؤمن من ينظر من وراء ستر رقيق و اللّه إنّه للحقّ يقذفه اللّه في قلوبهم و يجريه على ألسنتهم، و قال بعض السّلف ظنّ المؤمن كهانة.
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور اللّه» [٤] و إليه يشير قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [٥]. و قوله تعالى: قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [٦]. و عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال: «العلم علمان فعلم باطن في القلب فذلك هو النافع» [٧]. و سئل بعض العلماء عن العلم الباطن ما هو؟ قال: هو سرّ من سرّ اللّه تعالى يقذفه اللّه تعالى في قلوب أحبّائه لم يطّلع عليه بشرا و لا ملكا، و قد قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «إنّ من امّتي محدّثين و مكلّمين» [٨] و قرأ ابن عبّاس «و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبيّ (و لا محدّث)» [٩] يعني الصدّيقين و المحدّث هو الملهم، و الملهم هو الّذي انكشف له في باطن قلبه من جهة الدّاخل لا من جهة المحسوسات الخارجة.
و القرآن مصرّح بأنّ التقوى مفتاح الهداية و الكشف و ذلك علم من غير
[١] تقدم في المجلد الثاني ص ٢٣٩.
[٢] البقرة: ٢٦٩.
[٣] الأنبياء: ٧٩.
[٤] أخرجه البخاري في التأريخ و الترمذي في السنن عن أبي سعيد و الطبراني و ابن عدى عن أبي امامة كما في الجامع الصغير.
[٥] الحجر: ٧٥.
[٦] البقرة: ١١٨.
[٧] أخرجه الترمذي الحكيم في النوادر و ابن عبد البرقي العلم كما في مختصره ص ٩٠ من حديث الحسن مرسلا بإسناد صحيح و أسنده الخطيب في التأريخ من رواية الحسن عن جابر بإسناد جيد و أعله ابن الجوزي كما في المغني، و أخرجه ابن أبي شيبة عن الحسن كما في الجامع الصغير و قد مر نحوه في المجلد الأول ص ١٢٥.
[٨] راجع صحيح البخاري ج ٥ ص ١٥.
[٩] الحج: ٥٢.
المحجة