المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٨
حجمها بحيث ينطبع فيها صورة العالم و السّماوات و الأرض على اتّساع أكنافها ثمّ يسري من وجودها في الحسّ وجود في الخيال، ثمّ منه وجود في القلب فإنّك أبدا لا تدرك إلّا ما هو واصل إليك فلو لم يجعل للعالم كلّه مثالا في ذاتك لما كان لك خبر بما يباين ذاتك، فسبحان من دبّر هذه العجائب في القلوب و الأبصار ثمّ أعمى عن دركها القلوب و الأبصار حتّى صارت قلوب أكثر الخلق جاهلة بأنفسها و عجايبها.
فلنرجع إلى المقصود.
فنقول: القلب يتصوّر أن يحصل فيه حقيقة العالم و صورته تارة من اقتباس الحواسّ و تارة من اللّوح المحفوظ، كما أنّ العين يتصوّر أن يحصل فيها صورة الشمس تارة من النظر إليها، و تارة من النظر إلى الماء الصّافي الّذي يقابل الشمس و يحكي صورتها. فمهما ارتفع الحجاب بينه و بين اللّوح المحفوظ رأى الأشياء فيه و يفجر إليه العلم منه فاستغنى عن الاقتباس من مداخل الحواسّ، فيكون ذلك كتفجّر الماء من عمق الأرض، و مهما أقبل على الخيالات الحاصلة من المحسوسات كان ذلك حجابا له عن مطالعة اللّوح المحفوظ، كما أنّ الماء إذا اجتمع من الأنهار في الحوض منع ذلك عن التفجّر من الأرض، و كما أنّ من نظر إلى الماء الّذي يحكي صورة الشمس لا يكون ناظرا إلى نفس الشمس فإذن للقلب بابان باب مفتوح إلى عالم الملكوت و هو اللّوح المحفوظ و عالم الملائكة و باب مفتوح إلى الحواسّ الخمس المتمسّك بعالم الشهادة و الملك و عالم الشهادة و الملك أيضا يحاكي عالم الملكوت نوعا من المحاكاة، فأمّا انفتاح باب القلب إلى الاقتباس من الحواسّ فلا يخفى عليك، و أمّا انفتاح بابه الدّاخلاني إلى عالم الملكوت و مطالعة اللّوح المحفوظ فتعلمه علما يقينا بالتأمّل في عجائب الرؤيا، و اطّلاع القلب في النوم على ما سيكون في المستقبل، أو كان في الماضي من غير اقتباس من جهة الحواسّ، و إنّما ينفتح ذلك الباب لمن أفرد ذكر اللّه تعالى.
قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «سبق المفردون. قيل: و من هم يا رسول اللّه؟ قال:
المحجة