المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٧
فكذلك القلب مثل الحوض و العلم مثل الماء و الحواسّ الخمسة مثل الأنهار و يمكن أن تساق العلوم إلى القلب بواسطة أنهار الحواسّ و الاعتبار بالمشاهدات حتّى يمتلي علما و يمكن أن تسدّ عنه هذه الأنهار بالخلوة و العزلة و غضّ البصر و يعمد إلى عمق القلب بتطهيره و برفع طبقات الحجب عنه حتّى ينفجر ينبوع العلم من داخله.
فإن قلت: و كيف ينفجر العلم من ذات القلب و هو خال عنه؟ فاعلم أنّ هذا من عجائب أسرار القلب و لا يسمح بذكره في علم المعاملة و القدر الّذي يمكن ذكره أنّ حقائق الأشياء مسطورة في اللّوح المحفوظ، بل في قلوب الملائكة المقرّبين، فكما أنّ المهندس يسطر صورة أبنية الدّار في بياض ثمّ يخرجها إلى الوجود على وفق تلك النسخة، فكذلك فاطر السّماوات و الأرض كتب نسخة العالم من أوّله إلى آخره في اللّوح المحفوظ، ثمّ أخرجه إلى الوجود على وفق تلك النسخة و العالم الّذي خرج إلى الوجود بصورته يتأتّى منه صورة أخرى إلى الحواسّ و الخيال، فإنّ من ينظر إلى السّماء و الأرض ثمّ يغضّ بصره يرى صورة السّماء و الأرض في خياله حتّى كأنّه ينظر إليها و لو انعدمت السّماء و الأرض ثمّ بقي هو لوجد صورة السّماء و الأرض في نفسه كأنّه يشاهدها و ينظر إليها، ثمّ يتأدّى من خياله أثر إلى القلب فيحصل فيه حقائق الأشياء الّتي وجدت في الحسّ و الخيال فالحاصل في القلب موافق للعالم الحاصل في الخيال، و الحاصل في الخيال موافق للعالم الموجود في نفسه خارجا عن خيال الإنسان و قلبه، و العالم الموجود موافق للنسخة الموجودة في اللّوح المحفوظ.
و كان للعالم أربع درجات في الوجود: وجود في اللّوح المحفوظ و هو سابق على وجوده الجسمانيّ، و يتبعه وجوده الحقيقي، و يتبع وجوده الحقيقي وجوده الخيالي أعني وجود صورته في الخيال، و يتبع وجوده في الخيال وجوده العقليّ أعني وجود صورته في القلب.
و بعض هذه الوجودات روحانيّة و بعضها جسمانيّة، و الرّوحانيّة بعضها أشدّ روحانيّة من بعض، و هذا لطف من الحكمة الإلهيّة إذ جعل حدقتك على صغر
المحجة