المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٦
غليانها» [١] و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرّحمن يقلّبه كيف يشاء» [٢] و في أثناء هذه المجاهدة قد يفسد المزاج و يختلط العقل و يمرض البدن و إذا لم يتقدّم رياضة النفس و تهذيبها بحقائق العلوم نشبت بالقلب خيالات فاسدة تطمئن النفس إليها مدّة طويلة إلى أن تزول و العمر ينقضي دون النجاح فيها، فكم من مجاهد سلك هذا الطريق ثمّ بقي في خيال واحد عشرين سنة، و لو كان قد أتقن العلم من قبل لا نفتح له وجه التباس ذلك الخيال في الحال، فالاشتغال بطريق التعلّم أوثق و أقرب إلى الغرض، و زعموا أنّ ذلك يضاهي ما لو ترك الإنسان تعلّم الفقه. و زعم أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يتعلّم ذلك و لكن صار فقيها بالوحي و الإلهام من غير تكرير و تعليق و يقول: أنا أيضا ربّما انتهت بي الرّياضة إليه. و من ظنّ ذلك فقد ظلم نفسه و ضيّع عمره بل هو كمن ترك طريق الكسب و الحراسة رجاء العثور على كنز من الكنوز فإنّ ذلك ممكن و لكنّه بعيد جدّا فكذلك هذا فقالوا: لا بدّ أوّلا من تحصيل ما حصّله العلماء و فهم ما قالوه ثمّ لا بأس بعد ذلك بالانتظار لما لم ينكشف لسائر العلماء فعساه ينكشف بالمجاهدة بعد ذلك.
بيان الفرق بين المقامين بمثال محسوس
اعلم أنّ عجائب القلب خارجة عن مدركات الحواسّ لأنّ القلب أيضا خارج عن إدراك الحسّ و ما ليس مدركا بالحواسّ يضعف الأفهام عن إدراكه إلّا بمثال محسوس و نحن نقرّب ذلك إلى أفهام الضعفاء بمثالين أحدهما إنّا لو فرضنا حوضا محفورا في الأرض احتمل أن يساق الماء إليه من فوقه بأنهار يفتح إليه و يحتمل أن يحفر أسفل الحوض و يرفع منه التراب إلى أن يقرب من مستقرّ الماء الصّافي فينفجر الماء من أسفل الحوض و يكون ذلك الماء أصفى و أدوم و قد يكون أغزر و أكثر
[١] أخرجه أحمد في المسند ج ٦ ص ٤ من حديث المقداد بن اسود.
[٢] أخرجه الحاكم في المستدرك ج ١ ص ٥٢٥ و ج ٤ ص ٣٢١ و فيه «ما من قلب الا- الحديث-».
المحجة