المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٤٧
انطفى من قلبه نار الحسد و علم أنّه مهلك نفسه و مفرح عدوّه و مسخط ربّه و منغّص عيشه.
و أما العمل النافع فيه
فهو أن يحكم الحسد فكلّ ما يتقاضاه الحسد من قول و فعل فينبغي أن يكلّف نفسه نقيضه، فإن بعثه الحسد على القدح فيه كلّف لسانه المدح له و الثناء عليه، و إن حمله على التكبّر عليه ألزم نفسه التواضع له و الاعتذار إليه، و إن بعثه على كفّ الإنعام عنه ألزم نفسه الزّيادة في الإنعام، فمهما فعل ذلك عن تكلّف و عرفه المحسود طاب قلبه و أحبّه و مهما ظهر حبّه عاد الحاسد و أحبّه و تولّد بينهما الموافقة الّتي يقطع مادّة الحسد، لأنّ التواضع و الثناء و المدح و إظهار السرور بالنعمة يستميل قلب المنعم عليه و يسترقّه و يستعطفه و يحمله على مقابلة ذلك بالإحسان ثمّ ذلك الإحسان يعود إلى الأوّل فيطيب قلبه فيصير ما تكلّفه أوّلا طبعا آخرا، و لا يصدّنّه عن ذلك قول الشيطان له: لو تواضعت و أثنيت عليه حمله العدوّ على العجز أو على النفاق و الخوف و إنّ ذلك مذلّة و مهانة، فإنّ ذلك من خدع الشيطان و مكايده، بل المجاملة تكلّفا كان أو طبعا تكسّر سورة العداوة من الجانبين و تقلّ من عزّتها [١] و يعود القلب إلى التآلف و التحابّ، و به يستريح القلب من ألم الحسد و غمّ التباغض، فهذه هي أدوية الحسد و هي نافعة جدّا إلّا أنّها مرّة جدّا، لكن النفع في الدّواء المرّ، فمن لم يصبر على مرارة الدّواء لم ينل حلاوة الشفاء، و إنّما يهون مرارة الدّواء أعني التواضع للأعداء و التقرّب إليهم بالمدح و الثناء بقوّة العلم بالمعاني الّتي ذكرناها و قوّة الرّغبة في ثواب الرّضا بقضاء اللّه و حبّ ما أحبّه اللّه، و عزّة النفس و ترفّعها عن أن يكون في العالم شيء على خلاف مرادها جهل، و عند ذلك يريد ما يكون، إذ لا مطمع في أن يكون ما يريد و فوات المراد ذلّ و خيبة و لا طريق إلى الخلاص من هذا الذّلّ إلّا بأحد أمرين إمّا أن يكون ما يريد أو بأن يريد ما يكون، و الأوّل ليس إليك و لا مدخل للتكلّف و المجاهدة فيه. و أمّا الثاني فللمجاهدة فيه مدخل و تحصيله بالرّياضة ممكن
[١] في الاحياء «تقل مرغوبها».
المحجة