المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٤١
مثل معرفته لم ينقص من لذّته بل زادت لذّته بمؤانسته فتكون لذّة هؤلاء في مطالعة عجائب الملكوت على الدّوام أعظم من لذّة من ينظر إلى أشجار الجنّة و بساتينها بالعين الظاهرة، فإنّ نعيم العارف و جنّته معرفته الّتي هي صفة ذاته يأمن زوالها و هو أبدا يجني ثمارها، فهو بروحه و قلبه متغذّ بفاكهة علمه، و هي فاكهة غير مقطوعة و لا ممنوعة، بل قطوفها دانية، فهو و إن غمض العين الظاهرة فروحه أبدا ترتاح [١] في جنّة عالية و رياض زاهرة، فإن فرض كثرة في العارفين لم يكونوا متحاسدين بل كانوا كما قال فيهم ربّ العالمين: وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ [٢] فهذا حالهم و هم بعد في الدّنيا فما ذا يظنّ بهم عند انكشاف الغطاء و مشاهدة المحبوب في العقبي فإذن لا يتصوّر أن يكون في الجنّة محاسدة و لا أن يكون بين أهل الجنّة في الدّنيا محاسدة لأنّ الجنّة لا مضايقة و لا مزاحمة فيها و لا تنال إلّا بمعرفة اللّه الّتي لا مزاحمة فيها في الدّنيا أيضا، فأهل الجنّة بالضرورة برآء من الحسد في الدّنيا و الآخرة جميعا، بل الحسد من صفات المبعدين عن سعة العلّيّين إلى مضيق السجّين، و لذلك وسم به الشيطان اللّعين و ذكر من صفاته أنّه حسد آدم على ما خصّ به من الاجتباء و لمّا دعي إلى السجود استكبر و أبي و تمرّد و عصى، فقد عرفت أنّه لا حسد إلّا للتوارد على مقصود يضيق عن الوفاء بالكلّ و لهذا لا ترى الناس يتحاسدون على النظر إلى زينة السماء و يتحاسدون على رؤية البساتين الّتي هي جزء يسير من جملة الأرض، و كلّ الأرض لا وزن لها بالإضافة إلى السماء و لكن متّسعة الأقطار وافية لجميع الأبصار، فلم يكن فيها تزاحم و لا تحاسد أصلا، فعليك إن كنت بصيرا و على نفسك مشفقا أن تطلب نعيما لا زحمة فيه و لذّة لا مكدّر لها، و لا يوجد ذلك في الدّنيا إلّا في معرفة اللّه تعالى و معرفة صفاته و أفعاله و عجائب ملكوت السماوات و الأرض، و لا ينال ذلك في الآخرة إلّا بهذه المعرفة أيضا، فإن كنت لا تشتاق إلى معرفة اللّه و لم تجد لذّتها ففتر عنه رأيك و ضعف فيه رغبتك
[١] ارتاح: سر و نشط.- ارتاح اللّه له برحمته أنقذه من بلية.
[٢] الحجر: ٤٧.
المحجة