المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٣٦
أنعم عليه، بالجملة فالحسد يلزم البغض و العداوة و لا يفارقها و إنّما غاية التقى أن لا يبغي و أن يكره ذلك من نفسه، فأمّا أن يبغض إنسانا ثمّ يستوي عنده مسرّته و مساءته فهذا غير ممكن و هذا ما وصف اللّه الكفّار به أعني الحسد بالعداوة، إذ قال تعالى: وَ إِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ. إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ [١].
و كذلك قال: وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ [٢] و الحسد بسبب البغض ربّما يفضي إلى التنازع و التقاتل و استغراق العمر في إزالة النعمة بالحيل و بالسعاية و هتك الستر و ما يجري مجراه.
السبب الثاني التعزّز
و هو أن يثقل عليه أن يترفّع عليه غيره فإذا أصاب بعض أمثاله ولاية أو علما أو مالا خاف أن يتكبّر عليه و هو لا يطيق تكبّره و لا يسمح نفسه باحتمال صلفه [٣] و تفاخره عليه فليس من غرضه أن يتكبّر بل غرضه أن يدفع كبره فإنّه قد رضي بمساواته مثلا و لكن لا يرضى بترفّعه عليه.
السبب الثالث الكبر
و هو أن يكون في طبعه أن يتكبّر عليه و يستصغره و يستخدمه و يتوقّع منه الانقياد له و المتابعة في أغراضه فإذا نال نعمة خاف أن لا يحتمل تكبّره و يترفّع عن متابعته أو ربّما يتشوّف إلى مساواته أو إلى أن يترفّع عليه فيعود متكبّرا بعد أن كان متكبّرا عليه، و من التعزّز و التكبّر كان حسد أكثر الكفّار لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذ قالوا: كيف يتقدّم علينا غلام يتيم و كيف نطأطئ له رءوسنا فقالوا: لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [٤] أي كان لا يثقل علينا أن نتواضع له و نتّبعه إذا كان عظيما، و قال اللّه تعالى يصف قول قريش:
أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا [٥] كالاستحقار لهم و الأنفة منهم.
[١] آل عمران: ١١٩ و ١٢٠.
[٢] آل عمران: ١١٨.
[٣] صلف- بكسر اللام- يصلف: تمدح بما ليس فيه أو عنده و ادعى فوق ذلك تكبرا فهو صلف- ككتف- و لصاحبه أي تكلم له بما يكرهه.
[٤] الزخرف: ٣١ و راجع الدر المنثور ج ٦ ص ١٦.
[٥] الانعام: ٥٣.
المحجة