المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣١٥
أنّ هذه مثل تلك الدّجاجة فسرّي عن الرّجل و انصرف و قال: صدق الحكيم، الحلم شفاء من كلّ ألم.
و ضرب رجل قدم حكيم فأوجعه فلم يغضب فقيل له: في ذلك فقال: أقمته مقام حجرة تعثّرت بها فوقعت فذبحت الغضب، و قال محمود الورّاق:
سألزم نفسي الصفح عن كلّ مذنب
و إن كثرت منه عليّ الجرائم
و ما الناس إلّا واحد من ثلاثة
شريف و مشروف و مثل مقاوم
فأمّا الّذي فوقي فأعرف فضله
و أتبع فيه الحقّ و الحقّ لازم
و أمّا الّذي دوني فإن قال صنت عن
أجابته عرضي و إن لام لائم
و أمّا الّذي مثلي فإن زلّ أو هفا
تفضّلت إنّ الفضل بالخير حاكم
(بيان القدر الذي يجوز الانتصار و التشفي به من الكلام)
اعلم أنّ كلّ ظلم صدر من شخص فلا تجوز مقابلته بمثله فلا تجوز مقابلة الغيبة بالغيبة، و لا مقابلة التجسّس بالتجسّس، و لا مقابلة السبّ بالسبّ، و كذا سائر المعاصي و إنّما القصاص و الغرامة على قدر ما ورد الشرع به و فصّلناه في كتب الفقه، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إن امرأ عيّرك بما فيك فلا تعيّره بما فيه» [١].
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «المستبّان شيطانان متهاتران» [٢] و شتم رجل أبا بكر و هو ساكت فلمّا ابتدأ لينتصر منه قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «فقال أبو بكر: إنّك كنت ساكتا لمّا شتمني فلمّا تكلّمت قمت؟ قال: لأنّ الملك كان يجيب عنك فلمّا تكلّمت ذهب الملك و جاء الشيطان فلم أكن لأجلس في مجلس فيه الشيطان» [٣].
و قال قوم: تجوز المقابلة بما لا كذب فيه و نهيه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن التعيير بمثله نهي تنزيه و الأفضل تركه و لكنّه لا يعصي بفعله و الّذي يرخّص فيه أن تقول: من أنت و هل أنت إلّا من بني فلان و مثل قوله: يا أحمق، قال مطرف: كلّ الناس أحمق فيما
[١] أخرجه أحمد من حديث جابر بن مسلم و قد تقدم.
[٢] تقدم عن الطيالسي و رواه ابن حبان كما في الترغيب و الترهيب ج ٣ ص ٤٦٩.
[٣] أخرجه أبو داود ج ٢ ص ٥٧٢ من حديث سعيد بن المسيب.
المحجة