المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٩٧
التشبّه بالقوم فيقوى به الغضب، و مهما اشتدّت نار الغضب و قوي اضطرامها أعمت صاحبها و أصمّته عن كلّ موعظة فإذا وعظ لم يسمع بل تزيده الموعظة غضبا و إن أراد أن يستضيء بنور عقله و راجع نفسه لم يقدر على ذلك إذ يطفي نور العقل و ينمحى في الحال بدخان الغضب فإنّ معدن الفكر الدّماغ و يتصاعد عند شدّة الغضب من غليان دم القلب دخان إلى الدّماغ مظلم يستولي على معادن الفكر و ربّما يتعدّى إلى معادن الحسّ فيظلم عينه حتّى لا يرى بعينه و يسوّد عليه الدّنيا بأسرها و يكون دماغه على مثال كهف أضرمت فيه نار فاسودّ جوّه و حمي مستقرّه و امتلأ بالدّخان جوانبه و كان فيه سراج ضعيف فانطفى و انمحى نوره فلا تثبت فيه قدم، و لا يسمع فيه كلام، و لا ترى فيه صورة و لا يقدر على إطفائه لا من داخل و لا من خارج، بل ينبغي أن يصير إلى أن يحترق جميع ما يقبل الاحتراق، فكذلك يفعل الغضب بالقلب و الدّماغ، و ربّما تقوى نار الغضب فتفنى الرّطوبة الّتي بها حياة القلب فيموت صاحبه غيظا كما تقوى النار في الكهف فيشقّ و تنهدّ أعاليه على أسافله و ذلك لإبطال النار ما في جوانبه من القوّة الممسكة الجامعة لأجزائه فهكذا حال القلب مع الغضب، و بالحقيقة فالسفينة في ملتطم الأمواج عند اضطراب الرّياح في لجّة البحر أحسن حالا و أرجى سلامة من النفس المضطربة غيظا إذ في السفينة من يحتال لتسكينها و تدبيرها و ينظر لها و يسوسها و أمّا القلب فهو صاحب السفينة و قد سقطت حيلته إذ أعماه الغضب و أصمّه، و من آثار هذا الغضب في الظّاهر تغيّر اللّون و شدّة الرّعدة في الأطراف و خروج الأفعال عن الترتيب و النظام، و اضطراب الحركة و الكلام حتّى يظهر الزّبد على الأشداق و تحمرّ الأحداق و تنقلب المناخر و تستحيل الخلقة و لو رأى الغضبان في حالة غضبه قبح صورته لسكن غضبه حياء من قبح صورته و استحالة خلقته، و قبح باطنه أعظم من قبح ظاهره فإنّ الظاهر عنوان الباطن و إنّما قبحت صورة الباطن أوّلا ثمّ انتشر قبحها إلى الظاهر ثانيا فتغيّر الظاهر ثمرة تغيّر الباطن فقس الثمرة بالمثمرة فهذا أثره في الجسد.
و أمّا أثره في اللّسان فانطلاقه بالشتم و الفحش و قبيح الكلام الّذي يستحي
المحجة