المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٩
وقت عشيّة، فيتمثّل له من صورته ما يستيقن معه أنّه هو و لكن لا يتمثّل في نفسه الدقايق و الخفايا من صورته، و مثل هذا متصوّر في تفاوت المشاهدة للأمور الإلهيّة، و أمّا مقادير العلوم فهو بأن يرى في الدّار زيدا و عمرا و بكرا و غير ذلك، و آخر لا يرى إلّا زيدا فمعرفة ذلك تزيد بكثرة المعلومات لا محالة، فهذه حال القلب بالإضافة إلى العلوم.
بيان حال القلب (بالإضافة إلى أقسام العلوم العقليّة و الدّينية و الدّنيوية و الأخروية)
اعلم أنّ القلب بغريزته مستعدّ لقبول حقائق المعلومات كما سبق و لكنّ العلوم الّتي تحلّ فيه تنقسم إلى عقليّة و إلى شرعيّة، و العقليّة تنقسم إلى ضروريّة و مكتسبة، و المكتسبة تنقسم إلى دنيويّة و اخرويّة، أمّا العقليّة فنعني بها ما يقضي به غريزة العقل و لا تؤخذ بالتقليد و السّماع و هي تنقسم إلى ضروريّة لا تدري من أين حصلت و لا كيف حصلت، كعلم الإنسان بأنّ الشّخص الواحد لا يكون في مكانين في حالة واحدة، و الشّيء الواحد لا يكون حادثا قديما، موجودا معدوما معا، فإنّ هذه العلوم يجد الإنسان نفسه منذ الصبي مفطورا عليها و لا يدرى متى حصلت له و لا من أين حصلت أعنى أنّه لا يدرى فيه سببا قريبا و إلّا فليس يخفى عليه أنّ اللّه تعالى هو الّذي خلقها. و إلى مكتسبة و هي المستفادة بالتعلّم و الاستدلال و كلا القسمين قد يسمّى عقلا، قال عليّ عليه السّلام:
رأيت العقل عقلين
فمطبوع و مسموع
و لا ينفع مسموع
إذا لم يك مطبوع
كما لا تنفع الشمس
و ضوء العين ممنوع
و الأوّل هو المراد بقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ما خلق اللّه خلقا هو أكرم عليه من العقل» [١] و الثاني هو المراد بقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لعليّ عليه السّلام: «إذا تقرّب الناس إلى اللّه تعالى بأنواع البرّ فتقرّب إليه أنت بعقلك» [٢] إذا لا يمكن التقرّب بالغريزة الفطريّة و لا
[١] تقدم سابقا و أخرجه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول بإسناد ضعيف.
[٢] راجع الرسالة المعراجية لابن سينا ص ١٥ و قد تقدم في المجلد الأول.
المحجة