المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٧٧
و عن الزمهرير و ما أبرد منه، و عن البحر و ما أغنى منه، و عن اليتيم و ما أذلّ منه؟ قال: البهتان على البريء أثقل من السماوات، و الحقّ أوسع من الأرض، و القلب القانع أغنى من البحر، و الحرص و الحسد أحرّ من النّار، و الحاجة إلى القريب إذا لم تنجح أبرد من الزّمهرير، و قلب الكافر أقسى من الحجر، و النمّام إذا بان أمره أذلّ من اليتيم. و يقال: إنّ ثلث عذاب القبر من النميمة.
(بيان حد النميمة و ما يجب في ردها)
اعلم أنّ اسم النميمة إنّما يطلق في الأكثر على من ينمّ قول الغير إلى المقول فيه كما يقال فلان يتكلّم فيك بكذا و كذا و ليست النميمة مخصوصة بالمقول فيه بل حدّها كشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه أو كرهه ثالث، و سواء كان الكشف بالقول أو بالكتابة أو بالرّمز أو الإيماء، و سواء كان المنقول من الأعمال أو من الأقوال، و سواء كان ذلك عيبا و نقصانا على المنقول عنه أو لم يكن بل حقيقة النميمة إفشاء السرّ و هتك الستر عمّا يكره كشفه، بل كلّ ما رآه الإنسان من أحوال الناس ممّا يكره فينبغي أن يسكت عنه إلّا ما في حكايته فائدة لمسلم أو دفع لمعصية كما إذا رأى من يتناول مال غيره فعليه أن يشهد به مراعاة لحقّ المشهود له فأمّا إذا كان رآه يخفي مالا لنفسه فذكره فهو نميمة و إفشاء للسرّ فإن كان ما ينمّ به نقصانا و عيبا في المحكيّ عنه كان قد جمع بين الغيبة و النميمة.
و الباعث على النميمة إمّا إرادة السّوء بالمحكي عنه و إظهار الحبّ للمحكي له، أو التفرّج بالحديث، أو الخوض في الفضول. و كلّ من حملت إليه النميمة و قيل له: إنّ فلانا قال فيك كذا و كذا أو فعل فيك كذا و كذا أو هو يدبّر في إفساد أمرك أو في ممالأة عدوّك أو في تقبيح حالك او ما يجري مجراه فعليه بستّة أمور:
الأوّل أن لا تصدّقه لأنّ النمّام فاسق و هو مردود الشهادة قال اللّه تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ [١].
[١] الحجرات: ٦.
المحجة