المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٦٩
فإن قلت: فبما ذا يعرف عقد سوء الظنّ و الشكوك تختلج و النفس تحدث؟
فأقول: أمارة عقد سوء الظنّ أن يتغيّر القلب معه عمّا كان فينفر عنه نفورا لم يعهده و يستثقله و يفتر عن مراعاته و تفقّده و إكرامه و الاغتمام بسببه فهذه أمارات عقد الظنّ و تحقيقه، و قد قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ثلاث في المؤمن لا يستحسن و له منهنّ مخرج فمخرجه من سوء الظنّ أن لا يحقّقه» [١] أي لا يحقّقه في نفسه بعقد و لا فعل لا في القلب و لا في الجوارح، أمّا في القلب فبتغيّره إلى النفرة و الكراهة، و في الجوارح بالعمل بموجبه و الشيطان قد يقدر على القلب بأدنى مخيلة مساءة الناس و يلقى إليه أنّ هذا من فطنتك و سرعة تنبّهك و ذكائك و أنّ المؤمن ينظر بنور اللّه و هو على التحقيق ناظر بغرور الشيطان و ظلمته، فأمّا إذا أخبرك به عدل فما ل ظنّك إلى تصديقه كنت معذورا لأنّك لو كذّبته لكنت جانيا على هذا العدل إذ ظننت به الكذب و ذلك أيضا من سوء الظنّ فلا ينبغي أن تحسن الظنّ بواحد و تسيء بالآخر نعم ينبغي أن تبحث هل بينهما عداوة و محاسدة و مقت فتتطرّق التّهمة بسببه و قد ردّ الشّرع شهادة العدوّ على عدوّه للتهمة[١]فلك عند ذلك أن تتوقّف في إخباره و إن كان عدلا فلا تصدّقه و لا تكذّبه و لكن تقول في نفسك: المذكور حاله كان في ستر اللّه عنّي و كان أمره محجوبا و قد بقي كما كان لم ينكشف لي شيء من أمره، و قد يكون الرّجل ظاهره العدالة و لا محاسدة بينه و بين المذكور و لكن يكون من عادته التعرّض للنّاس بذكر مساويهم فهذا قد يظنّ أنّه عدل و ليس بعدل فإنّ المغتاب فاسق، و إذا كان ذلك من عادته ردّت شهادته إلّا أنّ الناس لكثرة الاعتياد تساهلوا في أمر الغيبة و لم يكترثوا بتناول أعراض الخلق. و مهما خطر لك خاطر سوء على مسلم فينبغي أن تزيد في مراعاته و تدعو له بالخير فإنّ ذلك يغيظ الشيطان و يدفعه عنك فلا يلقى
[١] أخرج أبو داود ج ٢ ص ٢٧٥ «أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رد شهادة الخائن و الخائنة، و ذي الغمر على أخيه، و رد شهادة القانع لاهل البيت و أجازها لغيرهم» و القانع: الاجير التابع مثل الاجير الخاص، و أيضا راجع الكافي ج ٧ ص ٣٩٥ باب ما يرد من الشهود.
[١] أخرجه الطبراني من حديث حارثة بن النعمان بسند ضعيف كما في المغني.
المحجة