المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٢٢
و قد روى أصحابنا أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام كان يقنت في بعض نوافله بلعن صنمي قريش يعني بهما أبا بكر و عمر [١].
و قد روى الشيخ الطوسي- رحمه اللّه- في التهذيب [٢] أنّ الصادق عليه السّلام كان ينصرف من الصلاة بلعن أربعة رجال منهم أبو بكر و عمر، و من نظر إلى ما وقع للحسن عليه السّلام مع معاوية و أصحابه و كيف لعنهم و قذفهم بالفحش على ما رواه العامّة و يتتبّع ما ورد من الآثار عن الأئمّة الأطهار عليهم السّلام في الكافي للكليني- رحمه اللّه- و غيره من كتب الحديث و الأدعية في لعنهم من يستحقّ اللّعن من رؤساء الضّلال و التصريح بأسماء هؤلاء علم أنّ ذلك من شعب الدّين و شعائره بحيث لا يتخالجه شكّ و لا يعتريه مرية.
و في الكافي [٣] عن أبي الحسن موسى عليه السّلام أنّه قال: «لعن اللّه أبا حنيفة كان يقول: قال عليّ و قلت- و في رواية- و قالت الصحابة و قلت».
و أمّا حديث «لا تكونوا لعّانين» فلعلّه نهي عن أن يكون السبّ خلقا لهم بسبب المبالغة فيه و الإفراط في ارتكابه بحيث يلعنون كلّ أحد كما يدلّ عليه قوله «لعّانين» لا أنّه نهى عن لعن المستحقين و إلّا لقال: لا تكونوا لاعنين، فإنّ بينهما فرقا يعلمه من أحاط بدقائق لسان العرب.
و أمّا ما روي «أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام نهى عن لعن أهل الشّام» فإن صحّ فلعلّه عليه السّلام كان يرجو إسلامهم و رجوعهم إليه، كما هو شأن الرّئيس المشفق على الرّعيّة.
و لذلك قال: «و لكن قولوا اللّهمّ أصلح ذات بيننا و هذا قريب من قوله تعالى في قصّة فرعون فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً[١]
[١] أقول نهى أمير المؤمنين عليه السّلام أصحابه عن لعن أهل الشام مذكور في النهج تحت عنوان «و من كلام له عليه السّلام و قد سمع قوما من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين» و قال ابن أبي الحديد في شرحه ج ٣ ص ٤: «و الذي كرهه عليه السّلام منهم أنهم كانوا يشتمون أهل الشام و لم يكن يكره منهم لعنهم إياهم، و البذاءة منهم لا كما يتوهّمه قوم من الحشوية فيقولون: لا يجوز لعن أحد ممن عليه اسم الإسلام و ينكرون على من يلعن و منهم من يغالى في ذلك فيقول: لا ألعن الكافر و لا ألعن ابليس و ان اللّه تعالى لا يقول لاحد يوم القيامة لم لم تلعن؟ و انما يقول: لم لعنت»؟.
و اعلم أن هذا خلاف نص الكتاب لأنه تعالى قال: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَ أَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (الأحزاب ٦٤) و قال: أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (البقرة ١٥٩) و قال في ابليس: إِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (ص ٧٨) و قال: مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا (الأحزاب ٦١) و في الكتاب من ذلك الكثير الواسع.
و كيف يجوز للمسلم أن ينكر التبرّي ممن يجب التبري منه؟ أ لم يسمع هؤلاء قول اللّه تعالى: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَ الَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَ مِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَ بَدا بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَ الْبَغْضاءُ أَبَداً (الممتحنة ٤) و انما يجب النظر فيمن قد اشتبهت حاله، فان كان قد قارف كبيرة من الذنوب يستحق بها اللعن و البراءة فلا ضير على من يلعنه و يبرأ منه، و ان لم يكن قد قارف كبيرة لم يجز لعنه و لا البراءة منه.
و ممّا يدل على أنّ من عليه اسم الإسلام إذا ارتكب الكبيرة يجوز لعنه، بل يجب في وقت، قول اللّه تعالى في قصة اللعان فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ.
وَ الْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (النور ٦ و ٧) و قال تعالى في القاذف إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (النور ٢٣).
فهاتان الآيتان في المكلفين من أهل القبلة و الآيات قبلهما في الكافرين و المنافقين و لهذا قنت أمير المؤمنين عليه السّلام على معاوية و جماعة من أصحابه، و لعنهم في أدبار الصلوات.
فان قلت: فما صورة السب الذي نهى عنه أمير المؤمنين عليه السّلام؟ قلت: كانوا يشتمونهم بالاباء و الأمهات و منهم من يطعن في نسب قوم منهم، و منهم من يذكرهم باللؤم، و منهم من يعيرهم بالجبن و البخل و بأنواع الاهاجى التي يتهاجى بها الشعراء و أساليبها معلومة، فنهاهم عليه السّلام عن ذلك و قال: انى اكره لكم ان تكونوا سبّابين و لكن الاصوب أن تصفوا لهم أعمالهم و تذكروا حالهم إلخ.
[١] راجع مصباح الكفعمي دعاء صنمى قريش.
[٢] المصدر ج ١ ص ٢٢٧
[٣] المصدر ج ١ ص ٥٧
المحجة