المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢١٤
المذموم و من التكلّف الممقوت الّذي قال فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «أنا و الأتقياء من امّتي براء من التكلّف» [١].
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ أبغضكم إليّ و أبعدكم منّي مجلسا الثرثارون المتفيهقون المتشدّقون» [٢].
و قالت فاطمة عليها السّلام: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «شرار امّتي الّذين غذّوا بالنعيم يأكلون ألوان الطعام و يلبسون ألوان الثياب و يتشدّقون في الكلام» [٣].
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ألا هلك المتنطّعون- ثلاث مرات-» [٤] و التنطّع هو التعمّق و الاستقصاء.
و هذا أيضا من آفات اللّسان و يدخل فيه أيضا كلّ سجع متكلّف، و كذلك التفاصح الخارج عن حدّ العادة و كذلك تكلّف السجع في المحاورات إذ قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لغرّة الجنين فقال بعض قوم الجاني: كيف ندي من لا شرب و لا أكل و لا صاح و لا استهلّ و مثل ذلك يطلّ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «أسجع كسجع الكهان» [٥] فأنكر ذلك لأنّ أثر التكلّف و التصنّع بيّن عليه، فينبغي أن يقتصر في كلّ شيء على مقصوده و مقصود الكلام التفهيم للغرض فما رواء ذلك تصنّع مذموم و لا يدخل في هذا تحسين ألفاظ الخطابة و التذكير من غير إفراط و إغراب، لأنّ المقصود منهما تحريك القلوب و تشويقها و قبضها و بسطها، و لرشاقة اللّفظ تأثير فيه فهو لائق به،
[١] أخرجه الديلمي و ابن عساكر عن الزبير أن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال: «انى لا إلى من التكلف و صالحو أمتي». الدر المنثور ج ٥ ص ٣٢١.
[٢] أخرجه الترمذي ج ٨ ص ١٧٥، و تقدم ج ٣ ص ٨٦. و في النهاية: هم الذين يكثرون الكلام تكلفا و خروجا عن الحق و الثرثرة كثرة الكلام و ترديده.
[٣] تقدم آنفا.
[٤] أخرجه مسلم ج ٨ ص ٥٨ و قال النووي المتنطعون: المتعمقون الغالون المتجاوزن الحدود في أقوالهم و أفعالهم.
[٥] أخرجه مسلم ج ٤ ص ١١٠. و قوله «ندى» من ودى يدي دية. و قوله «يطل» اى يهدر و لا يضمن، يقال: «طل دمه» بضم الطاء إذا هدر دمه.
المحجة