المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٠٢
مأخوذ بالإحرام [١].
و قيل للقمان الحكيم: ما حكمتك قال: لا أسأل عمّا كفيت و لا أتكلّف ما لا يعنيني.
و قال المورق العجلّي: أمر أنا في طلبه منذ عشرين سنة لم أقدر عليه و لست بتارك طلبه، قالوا: و ما هو؟ قال: الصمت عمّا لا يعنيني.
و قال آخر: لا تتعرّض لما لا يعنيك، و اعتزل عدوّك، و احذر صديقك من القوم إلّا الأمين و لا أمين إلّا من يخشى اللّه و لا تصحب الفاجر فتتعلّم من فجوره و لا تطلعه على سرّك و استشر في أمرك الّذين يخشون اللّه تعالى. و حدّ ما لا يعنيك أن تتكلّم ما لو سكتّ عنه لم تأثم و لم تتضرّر في جال أو مآل، مثالها أن تجلس مع قوم فتحكي معهم أسفارك و ما رأيت فيها من جبال و أنهار و ما وقع لك من الوقائع و ما استحسنته من الأطعمة و الثياب و ما تعجّبت منه من مشايخ البلاد و وقايعهم، فهذه أمور لو سكتّ عنها لم تأثم و لم تتضرّر و إذا بالغت في الاجتهاد حتّى لم يمتزج بحكاياتك زيادة و لا نقصان و لا تزكية نفس من حيث التفاخر بمشاهدة الأحوال العظيمة و لا اغتياب لشخص و لا مذمّة لشيء ممّا خلقه اللّه فإنّك مع ذلك كلّه مضيّع زمانك فأنّى تسلم من الآفات الّتي ذكرناها، و من جملتها أن تسأل غيرك عمّا لا يعنيك و أنت بالسؤال مضيّع وقتك و قد ألجات أيضا صاحبك بالجواب إلى التضييع هذا إذا كان الشيء ممّا لا يتطرّق إلى السّؤال عنه آفة، و أكثر الأسولة فيها آفات فإنّك تسأل غيرك مثلا عن عبادته فتقول: هل أنت صائم؟ فإن قال: نعم، كان مظهرا عبادته فيدخل عليه الرياء، و إن لم يدخل سقطت عبادته من ديوان عبادة السرّ و عبادة السرّ تفضل عبادة الجهر بدرجات، و إن قال: لا، كان كاذبا، و إن سكت كان مستحقرا إيّاك و تأذّيت به، و إن احتال لمدافعة الجواب افتقر إلى جهد و تعب فيه، فقد عرّضته بالسّؤال إمّا للرياء أو الكذب أو للاستحقار أو للتعب في حيلة الدّفع، و كذلك سؤالك عن سائر عباداته، و كذلك سؤالك عن كلّ ما يخفيه و يستحي منه، و سؤالك عمّا يحدث
[١] أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت كما في الترغيب و الترهيب ج ٣ ص ٥٣٥.
المحجة