المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٠
اليقظة لرأى نفسه ماثلا بين يدي خنزير ساجدا له مرّة و راكعا أخرى و منتظرا لاشارته و أمره فمهما هاج الخنزير لطلب شيء من شهواته انبعث على الفور في خدمته و إحضار شهوته أو رأى نفسه ماثلا بين يدي كلب عقور عابدا له مطيعا سامعا لما يقتضيه و يلتمسه مدقّقا للفكر في حيل الوصول إلى طاعته و هو بذلك ساع في مسرّة شيطانه فإنّه الّذي يهيّج الخنزير و يثير الكلب و يبعثهما على استخدامه فهو من هذا الوجه يعبد الشيطان بعبادتهما، فليراقب كلّ عبد حركاته و سكناته و سكوته و نطقه و قيامه و قعوده و لينظر بعين البصيرة فلا يرى إن أنصف نفسه إلّا ساعيا طول النّهار في عبادة هؤلاء، و هذا غاية الظّلم إذ جعل المالك مملوكا، و الرّبّ مربوبا، و السيّد عبدا، و القاهر مقهورا، إذ العقل هو المستحقّ للسّيادة و القهر و الاستيلاء، و قد سخّره لخدمة هؤلاء الثلاثة، فلا جرم ينتشر إلى قلبه من طاعته هؤلاء الثلاثة صفات تتراكم عليه حتّى يصير طبعا فيه و رينا مهلكا للقلب و مميتا له.
أمّا طاعة خنزير الشهوة فتصدر منها صفة الوقاحة و الخبث و التبذير و التقتير و الرياء و الهتكة و المجانة و العبث و الحرص و الجشع و الملق و الحقد و الحسد و الشماتة و غيرها.
و أمّا طاعة كلب الغضب فتنتشر منها إلى القلب صفة التّهوّر و البذالة و البذخ و الصلف و الاستشاطة و التكبّر و العجب و الاستهزاء و الفخر و الاستخفاف و تحقير الخلق و إرادة الشرّ و شهوة الظّلم و غيرها.
و أمّا طاعة الشيطان بطاعة الشهوة و الغضب، فيحصل منها صفة المكر و الخداع و الحيلة و الدّهاء و الجربزة و التلبيس و التضريب و الغشّ و الخبّ و الخنا و أمثالها، و لو عكس الأمر و قهر الجميع تحت سياسة الصفة الرّبّانيّة لاستقرّ في القلب من الصّفات الرّبّانيّة العلم و الحكمة و اليقين و الإحاطة بحقائق الأشياء و معرفة الأمور على ما هي عليه و الاستيلاء على ذلك كلّه بقوّة العلم و البصيرة، و استحقاق التقدّم على الخلق بكمال العلم و جلالته، و لاستغنى عن عبادة الشهوة و الغضب و لانتشر إليه من ضبط خنزير الشّهوة و ردّه إلى حدّ الاعتدال صفات شريفة مثل العفّة
المحجة