المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٩
شيطانيّة فصار شريرا يستعمل التمييز في استنباط وجوه الحيل و الشرّ و يتوصّل إلى الأغراض بالمكر و الحيلة و الخداع، و يظهر الشرّ في معرض الخير و هذه أخلاق الشياطين.
و كلّ إنسان ففيه شوب من هذه الأصول الأربعة- أعني الرّبانيّة و الشّيطانيّة و السّبعيّة و البهيميّة- و كلّ ذلك مجموع في القلب، و كأنّ المجموع في إهاب الإنسان:
خنزير، و كلب، و شيطان، و حكيم.
فالخنزير هو الشّهوة فإنّه لم يكن الخنزير مذموما للونه و شكله و صورته بل لجشعه و كلبه و حرصه.
و الكلب هو الغضب فإنّ السّبع الضّاري أو الكلب العقور ليس كلبا و لا سبعا باعتبار الصّورة و اللّون و الشّكل، بل روح معنى السبعيّة من الضراوة و العدوان و العقر و في باطن الإنسان ضراوة السّبع و غضبه و حرص الخنزير و شبقه، فالخنزير يدعو بالشّره إلى الفحشاء و المنكر، و السّبع يدعو بالغضب إلى الظلم و الإيذاء.
و الشيطان لا يزال يهيّج شهوة الخنزير و غيظ السبع و يغري أحدهما بالآخر و يحسن لهما ما هما مجبولان عليه.
و الحكيم الّذي هو مثال العقل مأمور بأن يدفع كيد الشيطان و مكره بأن يكشف عن تلبيسه ببصيرته النافذة، و نوره المشرق الواضح و أن يكسر شره هذا الخنزير بتسليط الكلب عليه إذ بالغضب يكسر سورة الشهوة و يدفع ضراوة الكلب بتسليط الخنزير عليه و يجعل الكلّ مقهورا تحت سياسته فإن فعل ذلك و قدر عليه اعتدل الأمر و ظهر العدل في مملكة البدن و جرى الكلّ على الصّراط المستقيم و إن عجز عن قهرها قهروه و استخدموه، فلا يزال في استنباط الحيل و تدقيق الفكر ليشبع الخنزير و يرضي الكلب فيكون دائما في عبادة كلب أو خنزير.
و هذا حال أكثر الناس مهما كان أكثر همّهم البطن و الفرج و منافسة الأعداء و العجب منه أنّه ينكر على عبدة الأصنام عبادتهم للحجارة، و لو كشف الغطاء عنه و كوشف بحقيقة حاله و مثّل له حقيقة حاله كما يمثّل للمكاشفين إمّا في النوم أو في
المحجة