المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٨٩
غضبه فإن كان ما ذكرت باطلا فإنّي أذكرك يوم تكون السماء كالمهل و تكون الجبال كالعهن، و تجثو الأمم لصولة الجبّار العظيم، فإنّي و اللّه قد ضعفت عن إصلاح نفسي فكيف بإصلاح غيري، و إن كان ما ذكرته حقّا فإنّي أدلّك على طبيب يداوي الكلوم الممرضة و الأوجاع المرمضة، ذلك اللّه ربّ العالمين، فاقصديه على صدق المسئلة، و ارجعي إليه فإنّي متشاغل عنك بقوله: وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لا شَفِيعٍ يُطاعُ. يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَ ما تُخْفِي الصُّدُورُ [١] فأين المهرب عن هذه الآية؟، ثمّ جاءت بعد ذلك بأيّام فوقفت له على طريقه فلمّا رآها من بعيد أراد الرجوع إلى منزله كيلا يراها، فقالت:
يا فتى لا ترجع فلا كان الملتقى بعد هذا اليوم أبدا إلّا بين يدي اللّه عزّ و جلّ و بكت بكاء شديدا، و قالت: أسأل اللّه الّذي بيده مفاتيح قلبك أن يسهّل عليّ ما قد عسر من أمرك، ثمّ تبعته فقالت: امنن عليّ بموعظة أحملها عنك و أوصني بوصيّة أعمل عليها، فقال لها الفتى: أوصيك بحفظ نفسك من نفسك و أذكّرك قوله عزّ و جلّ: وَ هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَ يَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ [٢]، قال: فأطرقت الجارية و بكت بكاء شديدا أشدّ من بكائها الأوّل، ثم أفاقت و لزمت بيتها و أخذت في العبادة، فلم تزل على ذلك حتّى ماتت كمدا [٣]، فكان الفتى يذكرها بعد موتها ثمّ يبكي عليها، فقيل له: ممّ بكاؤك و أنت قد آيستها من نفسك فيقول: إنّي قد ذبحت طمعها منّي في أوّل أمرها و جعلت قطعها ذخيرة لي عند اللّه عزّ و جلّ و أنا أستحي من اللّه أن أسترد ذخيرة ادّخرتها عنده و الحكم للَّه.
(١) هذا آخر كتاب كسر الشهوتين من ربع المهلكات من المحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء و يتلوه إن شاء اللّه كتاب آفات اللّسان و الحمد للَّه أوّلا و آخرا و ظاهرا و باطنا و صلّى اللّه على محمّد و آله و سلّم.
[١] المؤمن: ١٨ و ١٩.
[٢] الانعام: ٦٠.
[٣] الكمد- بالتحريك- تغير اللون و ذهاب صفائه و الحزن الشديد.
المحجة