المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٨٥
و أحفظ النّاس لكتاب اللّه و أعلمهم بسنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أعرفهم بحقّ الزّوج، قال: فمكثت شهرا لا يأتيني سعيد و لا آتيه، فلمّا كان بعد الشّهر أتيت سعيدا و هو في حلقته فسلّمت عليه فردّ السلام عليّ و لم يكلّمني حتّى تفرّق أهل المجلس، فقال:
ما حال ذلك الإنسان فقلت: خيرا يا أبا محمّد على ما يحبّ الصّديق و يكره العدوّ فقال:
إن رابك شيء فدونك و العصا، فانصرفت إلى منزلي فوجّه إليّ بعشرين ألف درهم.
قال عبد اللّه بن سليمان: و كانت بنت سعيد بن المسيّب قد خطبها عبد الملك بن مروان لابنه الوليد حين ولّاه العهد فأبى سعيد أن يزوّجه فلم يزل عبد الملك يحتال على سعيد حتّى ضربه مائة سوط في يوم بارد و صبّ عليه جرّة ماء بارد و ألبسه جبّة صوف. فاستعجال سعيد في الزفاف تلك اللّيلة يعرفك غائلة الشهوة و وجوب المبادرة في الدّين إلى تطفئة نارها بالنكاح.
(بيان فضيلة من يخالف شهوة الفرج و العين)
اعلم أنّ هذه الشهوة أغلب الشهوات على الإنسان و أعصاها عند الهيجان على العقل إلّا أنّ مقتضاها قبيح يستحيي منه و يخشى من اقتحامه و امتناع أكثر النّاس عن مقتضاها إمّا لعجز أو لخوف أو لحياء أو لمحافظة على جسمه و ليس في شيء من ذلك ثواب فإنّه إيثار حظّ من حظوظ النفس على حظّ آخر، نعم من العصمة أن لا يقدر ففي هذه العوائق فائدة و هي دفع الإثم فإنّ من ترك الزّنى اندفع عنه إثمه بأيّ سبب كان تركه، و إنّما الفضل و الثواب الجزيل في تركه خوفا من اللّه تعالى مع القدرة عليه و ارتفاع الموانع و تيسّر الأسباب لا سيّما عند صدق الشهوة و هذه درجة الصديقين و لذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من عشق فعفّ فكتم فمات فهو شهيد» [١].
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «سبعة يظلّهم اللّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه و عدّ منهم رجلا
[١] أخرجه الخطيب في التأريخ من حديث ابن عباس بسند ضعيف كما في الجامع الصغير.
المحجة