المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٧٥
الشهوات فيعلّقها في بيته و هو فيها من الزّاهدين، و لكن يبتغي به تلبيس حاله ليصرف عن نفسه قلوب الغافلين حتّى لا يشوّشون عليه حاله، فنهاية الزّهد الزهد في الزّهد بإظهار ضدّه و هذا عمل الصدّيقين، فإنّه جمع بين صدقين كما أنّ الأوّل جمع بين كذبين، فهذا قد حمل على النفس ثقلين و جرّعها كأس الصبر مرّتين: مرّة بشربه و مرّة بقذفه، فلا جرم أولئك يؤتون أجرهم مرّتين بما صبروا و هذه تضاهي طريق من يأخذ ما يعطى جهرا و يردّ سرّا ليكسر نفسه بالذّل جهرا و بالفقر سرّا.
(١) أقول: لا أرى صدقا في تلبيس الحال و لا خيرا في مثل هذه الفعال، بل أرى كذبا بحتا و رياء صرفا و نظرا إلى الناس و إظهارا لما ليس.
قال: فمن فاته هذا فلا ينبغي أن يفوته إظهار شهوته و نقصانه و الصدق فيه و لا ينبغي أن يغرّه قول الشيطان: إنّك إذا أظهرت اقتدى بك غيرك فاستره إصلاحا لغيرك لأنّه لو قصد إصلاح غيره لكان إصلاح نفسه أهمّ عليه من غيره فهو إنّما يقصد الرياء المجرّد و يروّجه عليه الشيطان في معرض إصلاح غيره و لذلك يثقل عليه ظهور ذلك منه، و إن علم أنّ من اطّلع عليه ليس يقتدي به في الفعل أو لا ينزجر باعتقاده أنّه تارك للشهوات.
الآفة الثانية أن يقدر على ترك الشهوات و لكنّه يفرح أن يعرف به و يشتهر بالتعفّف عن الشهوات فقد خالف شهوة ضعيفة و هي شهوة الأكل و أطاع شهوة هي شرّ منها و هي شهوة الجاه و تلك هي الشهوة الخفيّة، فمهما أحسّ بذلك من نفسه فكسر هذه الشهوة أهمّ من كسر شهوة الطعام فليأكل و هو أولى به.
قال أبو سليمان: إذا قدمت إليك شهوة و قد كنت تاركا لها فأصب منها شيئا يسيرا و لا تعط نفسك مناها فتكون قد أسقطت عن نفسك الشهوة و تكون قد نغّصت على نفسك إذ لم تعطها شهوتها.
و قال جعفر بن محمّد الصّادق عليهما السّلام: «إذا قدمت إليّ شهوة نظرت إلى نفسي فإن أظهرت شهوتها أطمعتها منها و كان ذلك أفضل من منعها، و إن أخفت شهوتها و أظهرت العزوب عنها عاقبتها بالترك و لم أنلها منها شيئا» و هذا طريق في عقوبة
المحجة