المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٦٩
من آفات الشبع فإنّها تجري في أكل الشهوات و تناول اللّذّات فلا نطول بإعادته، فلذلك يعظم الثواب في ترك الشهوات من المباحات و يعظم الخطر في تناولها حتّى قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «شرار امّتي الّذين يأكلون مخّ الحنطة» [١] و ليس هذا بتحريم بل هو مباح على معنى أنّه من أكله مرّة أو مرّتين لم يعص، و من داوم عليه فلا يعصي أيضا بتناوله و لكن تتربّى نفسه في التنعّم و تأنس بالدّنيا و تألف اللّذات و يسعى في طلبها فيجرّه ذلك إلى المعاصي فهم شرار الامّة لأنّ مخّ الحنطة يقودهم إلى اقتحام أمور تلك الأمور معاص.
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «شرار امّتي الّذين غذّوا بالنعيم و نبتت عليها أجسامهم و إنّما همّتهم ألوان الطعام و أنواع اللّباس و يتشدّقون في الكلام»[١].
و أوحى اللّه تعالى إلى موسى عليه السّلام «اذكر أنّك ساكن القبر فيمنعك ذلك عن كثير من الشهوات» و قد اشتدّ خوف السّلف من تناول لذائذ الأطعمة و تمرين النفس عليها و رأوا أنّ ذلك علامة الشقاوة و رأوا منع اللّه ذلك عنهم غاية السعادة، حتّى روي أنّ وهب بن منبّه قال: التقى ملكان في السّماء الرّابعة فقال أحدهما للآخر: من أين؟ قال: أمرت بسوق حوت من البحر اشتهاه فلان اليهوديّ لعنه اللّه، و قال الآخر:
أمرت بإهراق زيت اشتهاه فلان العابد. و هذا تنبيه على أنّ تيسير أسباب الشهوات ليس من علامات الخير.
و عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «أيّما امرئ اشتهى شهوة فردّ شهوته و آثر بها على نفسه غفر اللّه له» [٢].
[١] او رده ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة هكذا «شرار أمتي الذي غذوا بالنعيم الذين يأكلون من الطعام ألوانا و يلبسون الوان الثياب و يتشدقون في الكلام». و رواه البيهقي في الشعب بسند ضعيف عن فاطمة عليها السلام. و روى الحاكم في المستدرك عن عبد اللّه بن جعفر مثله بسند صحيح راجع الجامع الصغير باب الشين.
[١] لم أجد له أصلا.
[٢] أخرجه ابن حبان في كتاب الثواب. و قال المقدسي في تذكرة الموضوعات ص ٥٠ فيه عمرو بن خالد الواسطي كذاب.
المحجة البيضاء، جلد٥، ص: ١٧٠
و عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إذا سددت كلب الجوع برغيف و كوز من ماء القراح فعلى الدّنيا و أهلها الدمار» [١] أشار به إلى أنّ المقصود ردّ ألم الجوع و دفع ضرره دون التنعّم بلذّات الدّنيا، و قد امتنع السلف من أكل الشهوات و من الشبع من الأقوات و كان امتناعهم للفوائد الّتي ذكرناها، و في بعض الأوقات لأنّه كان لا يصفو لهم حلال فلم يرخّصوا لأنفسهم إلّا في قدر الضرورة، و الشهوات ليست من الضرورات حتّى قال بعضهم: الملح شهوة لأنّه زيادة على الخبز، و ما وراء الخبز شهوة و هذه هي النهاية فمن لم يقدر على ذلك فينبغي أن لا يغفل عن نفسه و لا ينهمك في الشهوات، فكفى بالمرء إسرافا أن يأكل كلّ ما يشتهيه و يفعل كلّ ما يهواه، فينبغي أن لا يواظب على أكل اللّحم.
قال عليّ عليه السّلام: «من ترك اللّحم أربعين يوما ساء خلقه، و من داوم عليه أربعين يوما قسا قلبه» [٢].
و قيل: إنّ للمداومة على اللّحم ضراوة كضراوة الخمر[١]و مهما كان جايعا و تاقت نفسه إلى الجماع فلا ينبغي أن يأكل و يجامع فيعطي نفسه شهوتين فتقوى عليه، و ربما طلبت النفس الأكل لينشط على الجماع، و يستحبّ أن لا ينام على الشبع فيجمع بين غفلتين يعتاده الفتور و يقسو قلبه لذلك و لكن ليصلّ أو ليجلس فيذكر اللّه تعالى فهو أقرب للشكر.
و في الحديث «أذيبوا طعامكم بالصلاة و الذّكر و لا تناموا عليه فتقسو قلوبكم» [٣] و مهما اشتهى شيئا من طيبات الفواكه فينبغي أن يترك الخبز و يأكل الفاكهة بدلا عن الخبز ليكون قوتا و لا يكون تفكّها و لئلاّ يجمع للنفس بين عادة
[١] في النهاية: في حديث عمر «ان للحم ضراوة كضراوة الخمر أي ان له عادة ينزع إليها كعادة الخمر.
[١] أخرجه الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف (المغني)
[٢] مروى صدره في الكافي ج ٦ ص ٣٠٩ و المحاسن ص ٤٦٦ عن الصادق و الرضا عليهما السلام و ما عثرت على ذيله في كتب الأحاديث.
[٣] أخرجه ابن السني في اليوم و الليلة ص ١٣١.
المحجة