المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٦٨
و أظمأك اللّه كما أظمأتني، فلا يدعنّ أحدكم العشاء و لو بلقمة من خبز أو بشربة من ماء» [١].
و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «ما بال أصحابي لا يأكلون اللّحم، و لا يشمّون الطيب، و لا يأتون النساء؟ أما إنّي آكل اللّحم و أشمّ الطيب و آتي النساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي» [٢].
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من أتى عليه أربعون يوما و لم يأكل اللّحم فليستقرض على اللّه و ليأكله» [٣].
و لقد بالغ أبو حامد في التقشّف في هذا الباب سابقا و لاحقا و لم نتعرّض له في كلّ كلّ من أقواله بل اكتفينا بما ذكرنا، و حذفنا بعض حكاياته عن الصوفيّة ممّا تمجّه الطباع السليمة كنقله عن سهل بن عبد اللّه أنّه أكل دقاق التين ثلاث سنين ثمّ اقتات بثلاثة دراهم في ثلاث سنين إلى غير ذلك.
قال:
الوظيفة الثالثة في نوع الطعام و ترك الإدام و أعلى الطعام مخّ البرّ
فإن نخل فهو غاية الترفّه، و أوسطه شعير منخول، و أدناه شعير لم ينخل، و أعلى الإدام اللّحم و الحلاوة، و أدناه الملح و الخلّ، و أوسطه المزوّرات بالأدهان من غير لحم، و عادة سالكي طريق الآخرة الامتناع من الإدام على الدّوام، بل الامتناع عن الشهوات، فإنّ كلّ لذيذ يشتهيه الإنسان و أكله اقتضى ذلك بطرا في نفسه و قسوة في قلبه و انسا لقلبه بلذائذ الدّنيا حتّى يألفها و يكره الموت و لقاء اللّه تعالى و تصير الدّنيا جنّة في حقّه، و يكون الموت سجنا له، و إذا منع نفسه من شهواتها و ضيّق عليها، و حرّمها لذّاتها صارت الدّنيا عليه سجنا و مضيقا له و اشتهت نفسه الانفلات منها، و يكون الموت إطلاقها و إليه أشار يحيى بن معاذ حيث قال: معاشر الصدّيقين جوّعوا أنفسكم لوليمة الفردوس، فإنّ شهوة الطعام على قدر تجويع النفس، و كلّ ما ذكرناه
[١] الكافي ج ٦ ص ٢٨٩.
[٢] الكافي ج ٥ ص ٤٩٦. و أخرجه مسلم في صحيحه ج ٤ ص ١٢٩.
[٣] الكافي ج ٦ ص ٣٠٩.
المحجة