المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٦٣
المعتاد، فإن كان يأكل رغيفين مثلا و أراد أن يردّ نفسه إلى واحد فينقص كلّ يوم ربع سبع رغيف و هو ينقص منه جزءا من ثمانية و عشرين جزءا أو جزءا من ثلاثين جزءا فيرجع إلى رغيف في شهر و لا يتضرّر به و لا يظهر أثره فإن شاء فعل ذلك بالوزن و إن شاء بالمشاهدة، فيترك كلّ يوم مقدار لقمة و ينقصه عمّا أكله بالأمس، ثمّ هذا فيه أربع درجات أقصاها أن يرد نفسه إلى قدر القوام الّذي لا يبقى دونه و هو عادة الصدّيقين و هو اختيار سهل التستري إذ قال: استعبد اللّه الخلق بثلاث بالحياة و العقل و القوّة، فإن خاف العبد على اثنتين منها و هي الحياة و العقل أكل و أفطر إن كان صائما و تكلّف الطلب إن كان فقيرا، و إن لم يخف عليهما بل على القوّة، قال: فينبغي أن لا يبالي و لو ضعف حتّى يصلّي قاعدا و رأى أنّ صلاته قاعدا مع ضعف الجوع أفضل من صلاته قائما مع كثرة الأكل.
(١) أقول: هذا ليس بشيء لأنّه خلاف ما يظهر من آثار أهل البيت عليهم السّلام، فالصّواب أن يحافظ السالك على قوّته مهما أمكنه كما يحافظ على حياته و عقله، قال اللّه عزّ و جلّ: كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَ اعْمَلُوا صالِحاً[١]و قال تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ [١] و يأتي تمام الكلام فيه.
قال: الدرجة الثّانية أن يردّ نفسه بالرّياضة في اليوم و اللّيلة إلى نصف مدّ و هو رغيف و شيء ممّا يكون الأربعة منه منّا و يشبه أن يكون هذا مقدار ثلث البطن في حقّ الأكثرين كما ذكره رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو فوق اللّقيمات[٢]لأنّ هذه الصيغة في الجمع للقلّة و هو لما دون العشرة.
الدّرجة الثّالثة أن يردّ نفسه إلى مقدار المدّ و هو رغيفان و نصف و هذا يزيد
[١] تمام الآية في سورة المؤمنون: ٥٢ يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَ اعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ.
[٢] تقدم سابقا قوله صلّى اللّه عليه و آله «حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه و ان كان لا بد فاعلا فثلث لطعامه و ثلث لشرابه و ثلث لنفسه».
[١] الأعراف: ٣١.
المحجة