المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٤١
فخرج من صفة العمى و مشاركة أهل الهوى و صار من مفاتيح أبواب الهدى، و مغاليق أبواب الرّدى، [١] قد أبصر طريقه، و سلك سبيله، و عرف مناره، و قطع غماره [٢]، و استمسك من العرى بأوثقها، و من الحبال بأمتنها، [٣]، فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس».
قال أبو حامد: فإذن منتهى الرّياضة أن يجد المريد قلبه مع اللّه أبدا، و لا يمكن ذلك إلّا بأن يخلو عن غيره و لا يخلو عن غيره إلّا بطول المجاهدة فإذا حصل قلبه مع اللّه انكشف له جلال الحضرة الرّبوبية و تجلّى له الحقّ، و ظهر له من لطائف رحمة اللّه ما لا يجوز أن يوصف بل لا يحيط الوصف به أصلا و إذا انكشف للمريد شيء من ذلك، فأعظم القواطع عليه أن يتكلّم به وعظا أو نصحا أو يتصدّى للتذكير فيجد للنفس فيه لذّة ليس وراءها لذّة، فتدعوه تلك اللّذّة إلى أن يتفكّر في كيفيّة إيراد تلك المعاني و تحسين الألفاظ المعبّرة عنها و ترتيب ذكرها و تزيينها بالحكايات و شواهد القرآن و الأخبار و تحسين صورة الكلام لتميل إليه القلوب و الأسماع و الشيطان ربما يخيّل إليه أنّ هذا منك إحياء لقلوب الموتى الغافلين عن اللّه، و إنّما أنت واسطة بين اللّه و بين الخلق لدعوة عباده إليه، و مالك فيه نصيب، و لا لنفسك فيه لذّة و يتّضح كيد الشيطان بأن يظهر في أقرانه من يكون أحسن كلاما منه، و أجزل لفظا، و أقدر على جلب قلوب العوامّ، فإنّه يتحرّك في باطنه عقرب الحسد لا محالة إن كان محرّكه لذّة القبول، و إن كان محرّكه هو الحقّ حرصا على دعوة عباد اللّه عزّ و جلّ إلى صراطه المستقيم فيعظم به فرحه و يقول: الحمد للَّه الّذي عضدني و أيّدني بمن يوازرني على إصلاح عباده كالّذي وجب عليه مثلا أن
[١] المغلاق- وزان المفتاح- ضده يعنى ما يغلق به الباب.
[٢] بكسر الغين جمع غمر بالفتح و هو معظم البحر و الماء الكثير، و لعل المراد بقطع الغمار خروجه عن فتن الدنيا و مضلاتها بسفن النجاة و الهدايات خاصة. (بهجة الحدائق).
[٣] لعل المراد بأوثقها الايمان و بأمتن الحبال اتباع أوامر اللّه و متابعة سبيل الهدى (البهجة).
المحجة