المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣٥
و ظاهر الاعتقاد بطريق التقليد و الاشتغال بأعمال الخير فإنّ الخطر في العدول عن ذلك كثير و لذلك يجب على الشيخ أن يتفرّس في المريد فإن لم يكن ذكيّا فطنا متمكّنا من الاعتقاد الظاهر لم يشغله بالذّكر و الفكر بل يردّه إلى الأعمال الظاهرة و الأوراد المتواترة، أو يشغله بخدمة المتجرّدين للفكر ليشمله بركتهم فإنّ العاجز على المجاهدة في صفّ القتال ينبغي أن يسقي القوم و يتعهّد دوابّهم ليحشر يوم القيامة في زمرتهم و تعمّه بركتهم، و إن كان لا يبلغ درجتهم، ثمّ المريد المتجرّد للذّكر و الفكر قد يقطعه قواطع كثيرة من العجب و الرّياء و الفرح بما ينكشف له من الأحوال و ما يبدو من أوائل الكرامات، و مهما التفت إلى شيء من ذلك و شغلت به نفسه كان ذلك فتورا في طريقه و وقوفا، بل ينبغي أن يلازم حاله جملة عمره ملازمة العطشان الّذي لا ترويه البحار و لو أفيضت عليه و يدوم على ذلك و رأس ماله الانقطاع عن الخلق و الخلوة، قال بعض السياحين: قلت لبعض الأبدال المنقطعين عن الخلق: كيف الطريق إلى التحقيق قال: أن تكون في الدّنيا كأنّك عابر طريق، و قال: قلت له مرّة أخرى: دلّني على عمل أعمله أجد فيه قلبي مع اللّه في كلّ وقت على الدّوام فقال لي: لا تنظر إلى الخلق فإنّ النظر إليهم ظلمة، قلت: لا بدّ لي منهم، قال: فلا تسمع كلامهم فإنّ كلامهم قسوة، قلت: لا بدّ لي من ذلك، قال:
فلا تعاملهم فإنّ معاملتهم وحشة، قلت: أنا بين أظهرهم و لا بدّ لي من معاملتهم، قال: فلا تسكن إليهم فإنّ السكون إليهم هلكة، قلت: هذا لعلّه، قال: يا هذا أ تنظر إلى الغافلين و تسمع كلام الجاهلين و تعامل البطّالين و تريد أن تجد قلبك مع اللّه على الدّوام و هذا ممّا لا يكون أبدا[١].
[١] لا يخفى أن أمثال هذه التعاليم ينجر إلى تعطيل الجمعة و الجماعات و الحج و التزاور و التواخي و الاجتماعات و الضيافات، و يئول إلى الانزواء عن الناس و الاعتزال عنهم و ترك المعاشرة معهم و المؤانسة بهم، و معلوم أن الاعتزال و الانقطاع هما منبت النفاق و مغرس الوسواس و الحرمان عن المشرب الاتم المحمدي صلّى اللّه عليه و آله و المقام المحمود الجمعى و موجب لترك كثير من الفضائل و الخيرات و فوت السنن الشرعية.
المحجة