المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣٣
يقتصر على الفرائض و الرّواتب و يكون ورده وردا واحدا و هو لباب الأوراد و ثمرتها أعني ملازمة القلب لذكر اللّه تعالى بعد الخلوّ عن ذكر غيره و لا يشغله به ما دام قلبه ملتفتا إلى علائقه.
قال الشبلي للحصريّ: إن كان يخطر على قلبك من الجمعة إلى الجمعة الّتي تأتيني شيء غير اللّه فحرام عليك أن تأتيني، و هذا التجرّد لا يحصل إلّا مع صدق الإرادة و استيلاء حبّ اللّه على القلب حتّى يكون في صورة العاشق المستهتر الّذي ليس له إلّا همّ واحد فإذا صار كذلك ألزمه الشيخ زاوية ينفرد فيها و يوكّل به من يقوم له بقدر يسير من القوت الحلال، فإنّ أصل طريق الدّين القوت الحلال، و عند ذلك يلقنه ذكرا من الأذكار حتّى يشغل به لسانه و قلبه فيجلس و يقول مثلا «لا إله إلّا اللّه، أو اللّه اللّه اللّه، أو سبحان اللّه أو ما يأمره الشيخ من الكلمات و لا يزال يواظب عليه حتّى يسقط حركة لسانه و يكون الكلمة كأنّها جارية على اللّسان من غير تحريك ثمّ لا يزال يواظب عليه حتى يسقط الأثر عن اللّسان و يبقى صورة اللّفظ في القلب، ثمّ لا يزال كذلك حتّى ينمي عن القلب حروف اللّفظ و صورته و يبقى حقيقة معناه لازما للقلب، حاضرا معه غالبا عليه، قد فرغ القلب عن كلّ ما سواه، لأنّ القلب إذا شغل بشيء خلا عن غيره أيّ شيء كان فإذا شغل بذكر اللّه و هو المقصود خلا عن غيره لا محالة، و عند ذلك يلزمه أن يراقب وسواس القلب و الخواطر الّتي يتعلّق بالدّنيا و ما يتذكّر فيه ممّا قد مضى من أحواله و أحوال غيره، فإنّه مهما اشتغل بشيء منه و لو في لحظة خلا قلبه عن الذّكر في تلك اللّحظة و كان ذلك نقصانا فليجتهد في دفع ذلك و مهما دفع الوسواس كلّها ورد النفس إلى هذه الكلمة جاءته الوساوس من هذه الكلمة، و أنّها ما هي و ما معنى قولنا اللّه؟ و لايّ معنى كان إلها و كان معبودا؟
و يعتريه عند ذلك خواطر يفتح عليه باب الفكر، و ربما يرد عليه من وساوس الشيطان ما هو كفر أو بدعة، و مهما كان كارها لذلك و متشمّرا لإماطته عن القلب لم يضرّه ذلك، و الخواطر منقسمة إلى ما يعلم قطعا أنّ اللّه منزّه عنه و لكنّ الشيطان يلقي ذلك في قلبه و يجريه على خاطره، فشرطه أن لا يبالي به و يفزع إلى ذكر اللّه و يبتهل إليه
المحجة