المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣٢
مفتوحة إليه، فيتجدّد في كلّ حالة أكثر ممّا ينقص، فلا بدّ من ضبط الحواسّ إلّا عن قدر الضرورة و ليس يتمّ ذلك إلّا بالخلوة في مكان مظلم، فإن لم يكن له مكان مظلم فليلفّ رأسه في جيبه أو يتدثّر بكساء أو إزار، ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحقّ و يشاهد جمال الحضرة الرّبوبيّة، أما ترى أنّ نداء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بلغه و هو على هذه الصفة، فقيل له: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ[١]فهذه الأربعة جنّة و حصن بها تدفع عنه القواطع و تمنع العوارض القاطعة للطريق، فإذا فعل ذلك اشتغل بعده بسلوك الطريق و إنّما سلوكه بقطع العقبات، و لا عقبة على طريق اللّه إلّا صفات القلب الّتي سببها الالتفات إلى الدّنيا، و بعض تلك العقبات أعظم من بعض، و الترتيب في قطعها أن يشتغل بالأسهل فالأسهل و هي- أعني تلك الصّفات- أسرار العلائق الّتي قطعها في أوّل الارادة و آثارها أعني آثار المال و الجاه و حبّ الدّنيا و الالتفات إلى الخلق و التشوّف إلى المعاصي فلا بدّ و أن يخلي الباطن عن آثارها كما أخلى الظّاهر عن أسبابها الظاهرة و فيه تطول المجاهدة و يختلف ذلك باختلاف الأحوال فربّ شخص مكفي قد كفي أكثر الصّفات فلا يطول عليه المجاهدة، و قد ذكرنا أنّ طريق المجاهدة هو مضادّة الشهوة و مخالفة الهوى في كلّ صفة غالبة على نفس المريد كما سبق ذكره و إذا كفي ذلك أو ضعف بالمجاهدة فلم يبق في قلبه علاقة تشغله بعد ذلك بذكر يلزم قلبه على الدّوام و يمنعه من تكثير الأوراد الظاهرة بل
[١] أخرج البخاري ج ٦ ص ٢٠٠ من حديث جابر بن عبد اللّه عن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال: «جاورت بحراء فلما قضيت حوارى هبطت فنوديت فنظرت عن يمينى فلم ار شيئا، و نظرت عن شمالى فلم أر شيئا، و نظرت أمامى فلم أر شيئا: و نظرت خلفي فلم ار شيئا، فرفعت رأسي فرأيت شيئا، فأتيت خديجة فقلت دثروني و صبوا على ماء باردا، قال: فدثرونى و صبوا على ماء باردا، قال: فنزلت: يا أيها المدثر- الآيات-». و في بعض الروايات «فقلت: زملوني زملوني، فزملونى- الحديث».
أقول: من نظر في هذه الروايات و ما ذكره المؤرخون و المفسرون في مبدأ الوحي و شأن نزول هذه الآيات علم جدا أن النبي صلّى اللّه عليه و آله بعد مشاهدة تلك الاثار عرضت عليه حالة وحشة عجيبة و رهبة شديدة عالجها بالتزمّل و التدثّر و لم يجعل ذلك نوع رياضة لنفسه صلّى اللّه عليه و آله حتى يمكن أن يستدل بذلك على ما استدل به أبو حامد.
المحجة