المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣١
و السهر فهذا تحصن من القواطع، فإنّ مقصود المريد إصلاح قلبه ليشاهد به ربّه و يصلح لقربه، أمّا الجوع فإنّه ينقص دم القلب فيبيّضه و في بياضه نوره، و يذيب شحم الفؤاد و في ذوبانه رقّته و في رقّته مفتاح المكاشفة كما أنّ قسوته سبب الحجاب، و مهما نقص دم القلب ضاق منه مسلك العدوّ فإنّ مجاريه العروق الممتلئة بالشهوات، قال عيسى عليه السّلام: «يا معشر الحواريّين جوّعوا بطونكم لعلّ قلوبكم ترى ربّكم».
قال سهل: ما صار الأبدال أبدالا إلّا بأربع خصال إخماص البطون و السهر و الصمت و الاعتزال عن الناس، ففائدة الجوع في تنوير القلب أمر ظاهر يشهد له التجربة، و سيأتي بيان وجه التدريج فيه «في كتاب كسر الشهوتين» و أمّا السهر فإنّه يجلو القلب و يصفيه و ينوّره و ينضاف إلى الصفاء الّذي حصل من الجوع و يصير القلب كالكوكب الدّريّ و المرآة المجلوّة، فيلوح فيه جمال الحقّ و يشاهد فيه رفيع الدّرجات في الآخرة و حقارة الدّنيا و آفاتها، فيتمّ به رغبته عن الدّنيا و إقباله على الآخرة.
و السّهر أيضا نتيجه الجوع فإنّ السهر مع الشبع غير ممكن، و النوم يقسي القلب و يميته إلّا إذا كان بقدر الضرورة، فيكون حينئذ سبب المكاشفة لأسرار الغيب، فقد قيل في صفة الأبدال: إنّ أكلهم فاقة، و نومهم غلبة، و كلامهم ضرورة، و قال إبراهيم الخوّاص: اجتمع رأي سبعين صدّيقا على أن كثرة النوم من كثرة شرب الماء.
و أمّا الصمت فإنّه يسهله العزلة و لكن المعتزل لا يخلو عن مشاهدة من يقوم له بطعامه و شرابه أو تدبير أمره فينبغي أن لا يتكلّم إلّا بقدر الضرورة فإنّ الكلام يشغل القلب و شره القلوب إلى الكلام عظيم، فإنّه يستروح إليه و يستثقل التجرّد للذكر و الفكر و يستريح إليه، فالصمت يلقح العقل، و يجلب الورع، و يعلم التقوى.
و أمّا الخلوة ففائدتها دفع الشواغل و ضبط السمع و البصر، فإنّهما دهليز القلب و القلب في حكم حوض انصبّ إليه مياه كدرة قذرة من أنهار الحواسّ و مقصود الرّياضة تفريغ الحوض من تلك المياه و من الطين الحاصل منها ليتفجر أصل الحوض فيخرج منه الماء النظيف الطاهر فكيف يصحّ أن ينزح الماء من الحوض و الأنهار
المحجة