المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣٠
الأوامر و الانزجار عن النّواهي، ثمّ الترقّي إلى أغوارها و أسرارها، فإذا قدّم هذه الشروط الأربعة كان حينئذ كمن تطهّر و توضّأ و رفع الحدث، صار صالحا للصلاة فيحتاج إلى إمام يقتدي به، و كذلك المريد يحتاج إلي شيخ و أستاذ يقتدي به لا محالة ليهديه إلى سواء السّبيل، فإنّ سبيل الدّين غامض و سبل الشيطان كثيرة ظاهرة و من لم يكن له شيخ يهديه قاده الشيطان إلى طرقه لا محالة فمن سلك البوادي المهلكة من غير خفير [١] و دليل فقد خاطر بنفسه و ربما أهلكها و يكون المستقلّ بنفسه كالشجرة الّتي تنبت بنفسها فإنّها تجفّ على القرب و إن بقيت مدّة و أو رقت لم تثمر، فمعتصم المريد بعد تقديم الشروط المذكورة شيخه فليتمسّك به تمسّك الأعمى على شاطئ النهر بالقائد بحيث يفوّض إليه أمره بالكليّة، و لا يخالفه في ورده و لا صدره، و لا يبقى في متابعته شيئا و لا يذر، و ليعلم أنّ نفعه في خطأ شيخه لو أخطأ أكثر من نفعه في صواب نفسه لو أصاب.
(١) أقول: إذا جاز على الشيخ الخطأ فربما يكون إفساده أكثر من إصلاحه بل الحقّ أنّه لا يجوز الاعتماد في الاعتقاد و العمل إلّا على معصوم من الخطأ و الزّلل عرف عصمته من اللّه عزّ و جلّ و ليس إلّا أئمّتنا عليهم السّلام، ثمّ من أذنوا لنا في الأخذ عنه من شيعتهم الآخذين عنهم و عن محكماتهم، قال الصّادق عليه السّلام: «إيّاك و أن تنصب رجلا دون الحجّة فتصدّقه في كلّ ما قال»[١]و قد ورد عنهم في الآداب و السّنن و كيفيّة السلوك في كلّ أمر ما يغني عن كثير ممّا سرده أبو حامد و للَّه الحمد.
قال: فإذا وجد مثل هذا المعتصم وجب على معتصمه أن يحميه و يعصمه بحصن حصين يدفع عنه قواطع الطريق و هو أربعة أمور: الخلوة و الصمت و الجوع
[١] رواه الصدوق- رحمه اللّه- في معانى الاخبار ص ١٦٩ في حديث عن أبي حمزة قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «إياك و الرئاسة و إياك أن تطأ أعقاب الرجال. فقلت:
جعلت فداك أما الرئاسة فقد عرفتها، و اما أن أطأ أعقاب الرجال فما ثلثا ما في يدي الا مما وطأت أعقاب الرجال؟ فقال: ليس حيث تذهب إياك أن تنصب رجلا دون الحجة فتصدقه في كل ما قال».
[١] الخفير- بالخاء المعجمة: الحامى، و المحافظ، و المجير.
المحجة