المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣
صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» [١].
المثال الثالث مثل العقل مثل فارس متصيّد، و شهوته كفرسه، و غضبه ككلبه، فمتى كان الفارس حاذقا و فرسه مروّضا و كلبه مؤدّبا معلّما كان جديرا بالنجح، و متى كان هو في نفسه أخرق و كان الفرس جموحا [٢] و الكلب عقورا فلا فرسه ينبعث تحته منقادا، و لا كلبه يسترسل بإشارته مطيعا، فهو خليق بأن يعطب فضلا أن ينال ما طلب، و إنّما خرق الفارس مثال لجهل الإنسان و قلّة حكمته و كلال بصيرته، و جماح الفرس مثال لغلبة الشّهوة عليه خصوصا شهوة البطن و الفرج، و عقر الكلب مثال لغلبة الغضب و استيلائه.
بيان خاصية القلب للانسان
اعلم أنّ جملة ما ذكرناه قد أنعم اللّه به على سائر الحيوانات سوى الآدميّ إذ للحيوانات الشهوة و الغضب و الحواسّ الظّاهرة و الباطنة أيضا حتّى أنّ الشّاة ترى الذئب بعينها و تعلم عداوته بقلبها فتهرب منه فذاك إدراك الباطن. فلنذكر ما يختصّ به قلب الإنسان و لأجله عظم شرفه و قدره و استأهل القرب من اللّه سبحانه و هو راجع إلى علم و إرادة، أمّا العلم فهو العلم بالأمور الدّنيويّة و الأخرويّة و الحقائق العقليّة فإنّ هذه أمور وراء المحسوسات و لا يشارك فيها الحيوانات، بل العلوم الكلّيّة الضّروريّة من خواصّ العقل إذ يحكم الإنسان بأنّ الفرس الواحد لا يتصوّر أن يكون في مكانين في حالة واحدة، و هذا حكم منه على كلّ فرس، و معلوم أنّه لم يدرك بالحسّ إلّا بعض الأفراس فحكمه على جميع الأفراس زائد على ما أدركه الحسّ، فإذا فهمت هذا في العلم الظّاهر الضّروريّ فهو في سائر النظريّات أظهر، و أمّا الإرادة فهو أنّه إذا أدرك بالعقل عاقبة الأمر و طريق الصّلاح فيه انبعث من ذاته شوق إلى وجه المصلحة و إلى تعاطي أسبابها و الإرادة لها و ذلك غير
[١] أخرجه البيهقي في الشعب من حديث جابر بسند فيه ضعف. و من طريق الخاصة رواه الكليني في الكافي ج ٥ ص ١٢ تحت رقم ٣.
[٢] الجموح معرب چموش.
المحجة