المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١١٨
جميعا لكنّ الدّنيا أغلب على قلبه فهذا يطول مقامه في النّار لكن يخرج منها لا محالة لقوّة ذكر اللّه في قلبه و تمكّنه من صميم فؤاده و إن كان ذكر الدّنيا أغلب عليه.
و ربّما يقول القائل: إنّ التنعّم بالمباح مباح فكيف يكون التنعّم سبب البعد من اللّه تعالى؟ فهذا خيال ضعيف بل حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة، و المباح الخارج عن قدر الحاجة من الدّنيا أيضا، و سيأتي ذلك في كتاب ذمّ الدّنيا فإذن لا يمكن إصلاح القلب لسلوك طريق اللّه تعالى ما لم يمتنع النفس من التنعّم من المباح فإنّ النفس إذا لم تمنع بعض المباحات طمعت في المحظورات فمن أراد حفظ لسانه عن الغيبة و الفضول فحقّه أن يلزمه السكوت إلّا عن المهمّات حتّى تموت منه شهوة الكلام فلا يتكلّم إلّا بحقّ فيكون سكوته عبادة، و كلامه عبادة، و مهما اعتاد العين رمى البصر إلى كلّ شيء جميل لم تتحفّظ عن النظر إلى ما لا يحلّ، و كذلك سائر الشهوات لأنّ الّذي يشتهي به الحلال هو بعينه يشتهي به الحرام فالشهوة واحدة، و قد وجب على العبد منعها عن الحرام و إن لم يتعوّد الاقتصار على قدر الضّرورة في الشهوات غلبته الشهوة.
فهذه إحدى آفات المباحات، و وراء هذه آفة أعظم من هذه و هو أنّ النّفس تفرح بالتنعّم بالدّنيا و تركن إليها و تطمئنّ بها أشرا و بطرا حتّى تصير ممتلية بها كالسكران الّذي لا يفيق من سكر. و ذلك لأنّ الفرح بالدّنيا سمّ قاتل يسري في العروق فيخرج من القلب الحزن و الخوف و ذكر الموت و أهوال القيامة و هذا هو موت القلب، قال اللّه تعالى: وَ فَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ [١].
و قال تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ- إلى قوله- إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ [٢] فاولو الحزم من أرباب القلوب جرّبوا قلوبهم في حالة الفرح بمؤاتاة الدّنيا فوجدوها قاسية بطرة بعيدة من التأثّر بذكر اللّه تعالى و اليوم الآخر، و جرّبوها في حالة الحزن فوجدوها ليّنة رقيقة صافية قابلة لأثر الذكر فعلموا
[١] الرعد: ٢٦.
[٢] الحديد: ٢٠.
المحجة