المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١١٧
ملوكا، فقال يوسف عليه السّلام: قال اللّه تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ[١].
و قال عليّ عليه السّلام: «من اشتاق إلى الجنّة سلا عن الشهوات في الدّنيا» [١].
فإذن قد اتّفق العلماء و الحكماء على أنّ الطريق إلى سعادة الآخرة لا يتمّ إلّا بنهي النفس عن الهوى و مخالفة الشهوات، فالإيمان بهذا واجب و أمّا علم تفصيل ما يترك من الشهوات و ما لا يترك فينكشف بما قدّمناه و حاصل الرّياضة و سرّها أن لا تتمتّع النفس بشيء ممّا لا يوجد معها في القبر إلّا بقدر الضرورة فيكون مقتصرا من الأكل و النكاح و اللّباس و المسكن و كلّ ما هو مضطرّ إليه على قدر الحاجة و الضرورة فإنّه لو تمتّع بشيء منها أنس به و ألفه، و إذا مات تمنّى الرّجوع إلى الدّنيا بسببه، و لا يتمنّى الرّجوع إلى الدّنيا إلّا من لا حظّ له في الآخرة بحال، و لا خلاص عنه إلّا بأن يكون القلب مشغولا بمعرفة اللّه تعالى و حبّه و التفكّر فيه و يقتصر من الدّنيا على ما يدفع به عوائق الفكر و الذكر فقط، فمن لا يقدر على حقيقة ذلك فليقرب منه، فالناس فيه أربعة: رجل استغرق ذكر اللّه قلبه فلا يلتفت إلى الدّنيا إلّا في ضرورات المعيشة فهو من الصدّيقين و لا ينتهي إلى هذه الرتبة إلّا بالرّياضة الطويلة و الصبر عن الشهوات مدّة مديدة، و الثاني رجل استغرقت الدّنيا قلبه فلم يبق للَّه عزّ و جلّ ذكر في قلبه إلّا من حيث حديث النفس حيث يذكره باللسان، و هذا من الهالكين، و الثالث رجل اشتغل بالدّنيا و الدّين لكنّ الغالب على قلبه هو الدّين فهذا لا بدّ له من ورود النار إلّا أنّه ينجو منها سريعا بقدر قوّة غلبة ذكر اللّه على قلبه، و الرابع رجل اشتغل بهما
[١] يوسف: ٩٠، و روى الصدوق في الامالى ص ٤ من طريق العامة عن وهب بن منبه قال: «وجدت في بعض كتب اللّه عزّ و جلّ أن يوسف مر في موكبه على امرأة العزيز و هي جالسة على مزبلة، فقالت: الحمد للَّه الذي جعل الملوك بمعصيتهم عبيدا، و جعل العبيد بطاعتهم ملوكا إلخ».
[١] نهج البلاغة باب الحكم و المواعظ تحت رقم ٣٠ و «سلا عنه» اى نسى و ذهل ذكره.
المحجة