المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١١٤
تبدي المساوي، و لعلّ انتفاع الإنسان بعدوّ مشاحن يذكر عيوبه أكثر من انتفاعه بصديق مداهن يثني عليه و يمدحه و يخفي عنه عيوبه إلّا أنّ الطبع مجبول على تكذيب العدوّ، و حمل ما يقوله على الحسد، و لكنّ البصير لا يخلو عن الانتفاع بقول أعدائه فإنّ مساويه لا بدّ و أن تنتشر على ألسنتهم.
الطريق الرابع أن يخالط الناس
فكلّ ما يراه مذموما فيما بين الخلق فيطالب نفسه بتركه، و ما يراه محمودا يطالب نفسه به و ينسب نفسه إليه، فإنّ المؤمن مرآة المؤمن فيرى في عيوب غيره عيوب نفسه، و ليعلم أنّ الطباع متقاربة في اتّباع الهوى فما يتّصف به واحد من الأقران لا ينفكّ القرين الآخر من أصله، أو عن أعظم منه، أو عن شيء منه، فيتفقّد نفسه و يطهّرها عن كلّ ما يذمّه من غيره، و ناهيك بهذا تأديبا فلو ترك الناس كلّهم ما يكرهونه من غيرهم لاستغنوا عن المؤدّب، قيل لعيسى عليه السّلام: من أدّبك؟ فقال: «ما أدّبني أحد، رأيت جهل الجاهل فجانبته» و هذا كلّه حال من فقد شيخا زكيّا عارفا بصيرا بعيوب النّفس، مشفقا ناصحا في الدّين، فارغا عن تهذيب نفسه، مشغولا بتهذيب عباد اللّه ناصحا لهم، فمن وجد ذلك فقد وجد الطبيب فليلازمه فهو الّذي يخلّصه من مرضه، و ينجيه من الهلاك الّذي هو بصدده.
(بيان شواهد النقل من أرباب البصائر و شواهد الشرع على أنّ الطريق في معالجة أمراض القلوب بترك الشهوات و أنّ مادة أمراضها هي اتّباع الشهوات)
اعلم أنّ ما ذكرناه إن تأمّلته بعين الاعتبار انفتحت بصيرتك و انكشفت لك علل القلوب و أمراضها و أدويتها بنور العلم و اليقين، فإن عجزت عن ذلك فلا ينبغي أن يفوتك التصديق و الإيمان على سبيل التلقّي و التقليد لمن يستحقّ التقليد فإنّ للإيمان درجات كما أنّ للعلم درجات و العلم يحصل بعد الإيمان و هو وراءه، قال اللّه تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [١] فمن
[١] المجادلة: ١١.
المحجة